بقلم: المستشار د. أحمد يوسف

لقد أثبت الفلسطينيون، عبر أكثر من سبعة وسبعين عامًا من اللجوء والنكبة والاحتلال والحروب، أنهم شعب لا تنكسر إرادته بسهولة، وأن ارتباطه بأرضه أقوى من كل مشاريع الاقتلاع والتهجير. ولذلك، فإن الرهان الحقيقي اليوم ليس فقط على وقف الحرب، بل على تمكين الفلسطيني من الصمود فوق أرضه، وإفشال كل مخططات التهجير القسري والتطهير العرقي، حتى تبقى فلسطين لأهلها، ويبقى الحق الفلسطيني حيًا مهما طال الزمن وتعاظمت التضحيات.
22/06/2026
image_print

تراجيديا النزوح الفلسطيني ومأساة شعبٍ يتعرّض للإبادة الجماعية والتهجير القسري

إن قصة معاناة الشعب الفلسطيني لم تبدأ قبل سنتين أو ثلاث مع حرب الإبادة التي يتعرض لها قطاع غزة، بل تمتد جذورها إلى أكثر من قرن من الزمان، منذ أن بدأت المؤامرة على فلسطين مع فرض الانتداب البريطاني سيطرته على البلاد عقب الحرب العالمية الأولى. فقد شكّل وعد بلفور عام 1917 الأساس السياسي لمشروع استعماري استيطاني هدفه إحلال شعب مكان شعب، وتمكين الحركة الصهيونية من إقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين، رغم الوجود التاريخي والحضاري للشعب الفلسطيني عليها.
وقد سبقت ذلك محاولات حثيثة من الحركة الصهيونية لإقناع السلطان العثماني عبد الحميد الثاني بالتنازل عن فلسطين مقابل إغراءات مالية وسياسية ضخمة، إلا أنه رفض ذلك رفضًا قاطعًا، مؤكدًا أن فلسطين ليست ملكًا شخصيًا له حتى يبيعها، بل هي جزء من أرض الأمة الإسلامية التي رُويت بدماء أبنائها.
ومع سقوط الدولة العثمانية وخضوع فلسطين للانتداب البريطاني، فتحت بريطانيا أبواب الهجرة اليهودية على مصاريعها، ومنحت الحركة الصهيونية التسهيلات السياسية والعسكرية والاقتصادية اللازمة لبناء المستوطنات وتشكيل العصابات المسلحة، في الوقت الذي جرى فيه تجريد الفلسطينيين من وسائل القوة، وقمع ثوراتهم الوطنية، وإعدام وسجن العديد من قادتهم ومجاهديهم.
وعندما أنهت بريطانيا انتدابها على فلسطين عام 1948، تركت وراءها واقعًا مهيأً لإعلان قيام دولة إسرائيل، التي ارتبط تأسيسها بسلسلة من المجازر وعمليات التطهير العرقي والتهجير القسري بحق السكان الفلسطينيين. وقد أدت النكبة إلى تهجير ما يزيد على 750 ألف فلسطيني من مدنهم وقراهم، وتدمير أكثر من 500 قرية وبلدة فلسطينية، فيما لجأ مئات الآلاف إلى الأردن ولبنان وسوريا ومصر وقطاع غزة، لتبدأ واحدة من أطول وأقسى مآسي اللجوء في التاريخ المعاصر.
ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف معاناة الفلسطينيين. ففي العدوان الثلاثي عام 1956 تعرض قطاع غزة لاحتلال مؤقت شهد ارتكاب مجازر دامية في خان يونس ورفح وغيرها من المناطق، سقط خلالها مئات الشهداء. ثم جاءت حرب يونيو/حزيران 1967 لتُكمل مأساة الشعب الفلسطيني باحتلال ما تبقى من فلسطين التاريخية، بما في ذلك الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، وتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين مرة أخرى.
وعلى مدى عقود الاحتلال، عاش الفلسطينيون تحت منظومة متكاملة من القمع والاستيطان ومصادرة الأراضي وهدم المنازل والاعتقالات والحصار. ورغم توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993 وإنشاء السلطة الفلسطينية، فإن إسرائيل واصلت سياساتها الرامية إلى منع قيام دولة فلسطينية مستقلة، عبر التوسع الاستيطاني وتهويد القدس وتقويض كل مقومات السيادة الفلسطينية.
وفي ظل الدعم العسكري والسياسي والدبلوماسي غير المحدود الذي حظيت به إسرائيل من الولايات المتحدة والعديد من الدول الغربية، والعجز العربي والدولي عن فرض احترام القانون الدولي، بقي الفلسطينيون يعيشون واقعًا شديد القسوة؛ فلا دولة مستقلة، ولا سيادة حقيقية، ولا أفق سياسي ينهي عقود الاحتلال الطويلة.
ومع تصاعد المقاومة الفلسطينية، ولا سيما في قطاع غزة، اتخذت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة من ذلك ذريعة لشن حروب متكررة على القطاع، بلغت ذروتها في حرب الإبادة الجماعية التي بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2023. وخلال هذه الحرب، انتهجت إسرائيل سياسات ممنهجة من القتل الجماعي والتجويع والحصار والتدمير الشامل للبنية التحتية، في محاولة لدفع الفلسطينيين نحو النزوح الجماعي والتهجير القسري، خصوصًا باتجاه الحدود المصرية.
ورغم المأساة الإنسانية غير المسبوقة، رفض الفلسطينيون مغادرة أرضهم، وتمسكوا بحقهم في البقاء والصمود. وتشير التقديرات إلى سقوط أكثر من ربع مليون شهيد وجريح ومفقود، بينهم عشرات الآلاف من الأطفال والنساء، فضلًا عن آلاف المفقودين تحت الأنقاض، في واحدة من أكثر الحروب دموية في القرن الحادي والعشرين. كما تعرضت أحياء ومدن كاملة للتدمير، وتجاوزت نسبة الدمار في المباني السكنية والمرافق العامة والبنية التحتية مستويات غير مسبوقة، فيما حُرم السكان من أبسط مقومات الحياة من غذاء وماء وكهرباء ودواء وتعليم.
ولم تقتصر الانتهاكات على القصف المباشر، بل شملت استهداف مراكز الإيواء والمدارس والمستشفيات وفرق الإسعاف والصحفيين والعاملين في المجال الإنساني، في انتهاك صارخ لأحكام القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، الأمر الذي دفع العديد من المنظمات الحقوقية الدولية وخبراء القانون الدولي إلى التحذير من وقوع جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بل وجرائم إبادة جماعية تستوجب المساءلة والمحاسبة.
وفي هذا المشهد التراجيدي، تبدأ معاناة النازحين اليومية بحثًا عن مأوى يحميهم من الحر والبرد، وعن لقمة تسد رمق أطفالهم، وعن جرعة ماء نظيفة أو دواء مفقود أو فرصة تعليم لأبنائهم. إنها معاناة مركبة يعيشها أكثر من مليوني فلسطيني وجدوا أنفسهم بين ركام الحرب وقسوة النزوح وانسداد الأفق السياسي.
وتزداد المأساة تعقيدًا مع استمرار الحصار، وتعطيل جهود الإغاثة، واستهداف وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، ومحاولات تقليص دور المؤسسات الإنسانية الدولية، فضلًا عن القيود المفروضة على سفر المرضى والطلاب وأصحاب الاحتياجات الإنسانية الملحة. ويبدو واضحًا أن الهدف من هذه السياسات هو جعل الحياة الفلسطينية أكثر صعوبة، ودفع السكان إلى الاختيار بين الموت البطيء أو الرحيل القسري.
إن ما يواجهه الفلسطينيون اليوم لا يتعلق فقط بحرب عسكرية، بل بمشروع سياسي يسعى إلى إعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والجغرافي لفلسطين، بما يخدم رؤية اليمين الإسرائيلي المتطرف الذي يقوده بنيامين نتنياهو وحلفاؤه، والقائمة على تكريس الاحتلال وتوسيع الاستيطان وإنهاء أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة.
ومن هنا، فإن تعزيز صمود الفلسطينيين على أرضهم أصبح مهمة وطنية وإنسانية وأخلاقية عاجلة. ويتطلب ذلك أولًا ضمان التدفق المستدام للمساعدات الإنسانية والغذائية والطبية، وثانيًا إطلاق برامج واسعة لإعادة الإعمار وإعادة بناء المنازل والمدارس والجامعات والمستشفيات والبنية التحتية التي تعرضت للتدمير، وثالثًا دعم الاقتصاد المحلي وخلق فرص عمل تعيد للناس قدرتهم على الحياة الكريمة، ورابعًا حماية عمل المؤسسات الدولية والإغاثية وفي مقدمتها الأونروا، وخامسًا توفير مظلة سياسية وقانونية دولية تكفل حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات.
كما يتطلب الأمر موقفًا عربيًا وإسلاميًا ودوليًا أكثر فاعلية، ينتقل من دائرة التضامن اللفظي إلى دائرة الفعل السياسي والاقتصادي والقانوني، بما يضمن وقف العدوان وإنهاء الحصار وحماية حق الفلسطينيين في البقاء على أرضهم.
لقد أثبت الفلسطينيون، عبر أكثر من سبعة وسبعين عامًا من اللجوء والنكبة والاحتلال والحروب، أنهم شعب لا تنكسر إرادته بسهولة، وأن ارتباطه بأرضه أقوى من كل مشاريع الاقتلاع والتهجير. ولذلك، فإن الرهان الحقيقي اليوم ليس فقط على وقف الحرب، بل على تمكين الفلسطيني من الصمود فوق أرضه، وإفشال كل مخططات التهجير القسري والتطهير العرقي، حتى تبقى فلسطين لأهلها، ويبقى الحق الفلسطيني حيًا مهما طال الزمن وتعاظمت التضحيات.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.