السجن الأمريكي

ولذلك، فإن الأزمة التي نعيشها اليوم ليست مواجهة تاريخية فرضها نظام منهار، بل هي الحساب التاريخي المحتوم الذي يفرضه نظام بلغ حدود نجاحه. وإذا لم تنشغل البشرية، عند هذه المرحلة من هذه المواجهة، بإنتاج بديلها الخاص كما فعلت في مراحل سابقة، فقد لا يبقى لديها حتى القدرة على الاختيار بين «السجن الأمريكي» و«سجن G-2» اللذين يفتقران معًا إلى رؤية إمبراطورية. فالقضية الحقيقية ليست ما الذي سينتجه التحول في النظام العالمي، ولا أي قوة ستصعد، بل ما إذا كانت البشرية قادرة على أن تبني من جديد أفقًا سياسيًا أصيلًا، قادرًا على إنتاج الشرعية، ومؤهلًا للقيادة، ومتجاوزًا لمنطق الهيمنة. إذ إن ما بلغناه اليوم تجاوز كونه نقاشًا حول نموذج للحكم، أو نظامًا اجتماعيًا، أو مقاربات اقتصادية مختلفة، ليصبح قضية كرامة إنسانية.
11/07/2026
image_print

 

في السنوات الأخيرة، تحوّلت ملاحظة غرامشي بشأن «الفترة الانتقالية» — أو بالأحرى جملته الوحيدة الشهيرة — إلى عبارة لامعة تُستدعى لتفسير كل أزمة تقريبًا، سواء أكان ذلك في محلّه أم خارجه. فقد أصبح غرامشي، الذي ناقش من داخل منظومة لاهوتية ومفاهيمية وفكرية ماركسية آلام الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية، مجرد «مادة» جاهزة يلجأ إليها الجميع لتفسير أزماتهم على نحو مباشر؛ من الماليين النيوليبراليين إلى المتحدثين باسم اليسار الراديكالي، ومن ناشطي التغير المناخي إلى الرؤساء التنفيذيين لشركات النفط العملاقة، ومن السياسيين الشعبويين إلى الأكاديميين، ومن مدربي كرة القدم إلى أصحاب شركات التكنولوجيا المتقدمة.

لقد استُهلكت التعابير الواردة في دفاتر السجن، مثل «الفترة الانتقالية»، و«احتضار القديم وعجز الجديد عن الولادة»، وقبل كل شيء «الأعراض المرضية»، إلى حدٍّ جعلها تتحول إلى نوعٍ من الإرهاب الخطابي. ولم يبقَ اليوم من مراد غرامشي سوى دالٍّ عائم فقد سياقه ومعناه بفعل التكرار والتحريف على ألسنة ممثلي الأيديولوجيات المتنافسة أو حتى القطاعات التي لا تمت إليه بصلة. ولم يعد ما قاله غرامشي هو المهم، إذ بات في وسع الجميع أن يشرحوا أزماتهم، وفتراتهم الانتقالية، وأمراضهم، وتهديداتهم، بالاستناد إلى جملة مقتبسة واحدة. وهكذا أصبح غرامشي، بوصفه مرجعًا رائجًا، يؤدي وظيفة استعارة متنقلة يضفي من خلالها مختلف الفاعلين الشرعية على مخاوفهم وأجنداتهم وتشخيصاتهم للواقع الراهن، مستندين إلى قراءاتهم الخاصة لـ fenomeni morbosi.[1]

ومع ذلك كله، فإن مفهوم «أزمة السلطة» الذي استخدمه غرامشي عنوانًا فرعيًا أيضًا أثناء مناقشته «انبثاق الجديد» قد يكون أكثر قدرة على تفسير الاضطرابات التي يشهدها العالم اليوم. وقبل أن يصوغ جملته الشهيرة، كان يناقش، عند حديثه عن «أزمة السلطة»، المشكلة الناجمة عن أن الطبقات الحاكمة «لم تعد تقود»، وإنما أصبحت تحكم عبر «الهيمنة» وحدها. واليوم، ومع تعمّق الأزمة الجيوسياسية العالمية، فإن ما يختبره العالم بأسره يتمثل في أزمة مماثلة من «تحديد الاتجاه والهيمنة» يعيشها النظام العالمي الذي أنشأته واشنطن بعد عام 1945. وبهذا المعنى نفسه الذي حدده غرامشي، يمكن لهذه الأزمة أن تصف واقعنا الراهن، حيث تنزلق القيم والقواعد والقانون والأيديولوجيا والأعراف جميعها إلى حالة من الاختلال.

إننا نواجه أزمة هيمنة لقوة ترغب في الانسحاب من النظام الذي أنشأته، لكنها ترفض في الوقت نفسه التخلي عن مكانتها المهيمنة. ورغم أن هذه الأزمة تعبّر، في مجملها، عن صعوبة استيعاب الغرب لإعادة الاصطفاف الاقتصادي والجيوسياسي العالمي، فإن اسمها الحقيقي اليوم ليس سوى «المشكلة الأمريكية». وهنا تحديدًا يجمعنا بغرامشي أمرٌ مشترك، لكنه لا يكمن فيما كتبه ولا في جملته التي تعرّضت لتشويهات تأويلية متلاحقة، وإنما في المكان الذي كتب فيه تلك السطور: السجن. فقد كتب غرامشي دفاتره وهو يقضي عشرة أعوام في سجن موسوليني، أما نحن فنقرأ دفاتره اليوم من داخل «السجن الأمريكي» الذي نعيش فيه منذ ثمانين عامًا، والذي ترتفع جدرانه كل عقد، وتزداد قواعده قمعًا باطراد. والفرق الجوهري بين السجنين أن سجننا هو أول سجن في التاريخ يبنيه سجناءه أنفسهم بحبٍّ وحماسة لا يكادان يصدقان، ويكافح الناس للدخول إليه ولئلا يغادروه.

حتى منتصف القرن العشرين، كانت الإمبراطوريات ماثلة أمام أعيننا بكل عظمتها، بمدنها التي شيدتها وجيوشها التي أقامتها. غير أن النصف الثاني من القرن الماضي شهد، للمرة الأولى، انتقال الإمبراطورية إلى نمط جديد تتحرك فيه فوق بنى غير مرئية. ويشير هذا التحول إلى إسقاط للقوة يتجاوز بكثير مراكز الهيمنة المرئية التي يمثلها الانتشار العسكري الأمريكي العالمي. فالإمبراطورية الأمريكية اليوم تستند في بقائها وتحافظ على قوتها عبر بنى تحتية خفية، مشكلةً بذلك «إمبراطورية تحتية» تقوم على شبكة الكابلات الضوئية، وتدفقات المعلومات، والإنترنت، ومراكز البيانات العملاقة، وأنظمة المدفوعات المالية، وهيمنة الدولار، والقيود المفروضة على بيع الأسلحة واستخدامها، وأنظمة العقوبات القانونية والفعلية، وأنظمة الرسوم الجمركية والعقوبات (الأولية والثانوية)، وشبكات العقود، ومنظومات تصنيع أشباه الموصلات المعقدة، وحقوق الملكية الفكرية، وأدوات الهيمنة الثقافية. وقد حوّلت الولايات المتحدة كثيرًا من هذه البنى التحتية، التي أُنشئت أصلًا بوصفها نتائج طبيعية للعولمة واستهدفت توسيع حجم التجارة العالمية، إلى أسلحة وإلى نظام للرقابة والعقاب يصعب الإفلات منه أو تجنبه، إلا بكلفة باهظة.[2]

بناء الإمبراطورية غير المرئية

ظلّ مبشّرو العصر الجديد يردّدون لسنوات أن العالم القديم كان منقسمًا بـ«الجدران»، بينما أصبح العالم الجديد مترابطًا عبر «الشبكات». ثم بلغ بهم الافتتان حدّ الترويج لفكرة أن «العالم مسطّح»، وهو الأساس الذي قام عليه هذا النظام الرقابي. ولم تعد التجارة العالمية مجرد تبادل للسلع، بل أصبحت وظيفةً يشارك فيها العالم بأسره، بصورة لامركزية، في الإنتاج والنقل والتوزيع. وكانت المهمة الأساسية للنظام العالمي هي ضمان انسياب هذه الوظيفة بسلاسة. ولم يعد هذا العالم المسطّح ثنائي الأبعاد فضاءً للإمبراطورية (imperium)، بل غدا مجرد فضاءٍ للتبادل التجاري (emporium). وعلى الأقل حتى أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لم يكن من السهل الوقوف في وجه هذه السردية البراقة وخطابها؛ فقد كان الجميع يتطلعون إلى إحراز تقدم على «الطريق المستقيم». غير أن ما بعد الحادي عشر من سبتمبر كشف أن جميع الشبكات الاقتصادية والمالية والتجارية والقانونية والاتصالية والأمنية، التي بلغت من ترابطها حدّ جعل العالم يبدو مسطّحًا، يمكن تسليحها بسرعة في يد الولايات المتحدة، بما يسمح بالانتقال إلى نظام سجن عالمي. ولم تعد الولايات المتحدة مجرد القوة العظمى الوحيدة التي بقيت قائمة بعد الحرب الباردة، بل أصبحت أيضًا دولة تمتلك من أدوات القوة الفائقة ما لم تمتلكه في أي مرحلة سابقة من تاريخها. ولعل من مفارقات التاريخ أن التيار الفكري الذي قاد بحماس بناء الإمبريالية الشبكية الأمريكية وهيمنتها وآليات سيطرتها العالمية، كان هو ذاته التيار الليبرالي الذي آمن بحرية انتقال السلع والخدمات ورؤوس الأموال والمعلومات واليد العاملة إلى حدّ الاعتقاد بأن العالم أصبح مسطحًا، وبأن هذه الشبكات ستحمي الفرد في مواجهة الدولة، وأن العودة إلى السلطوية أصبحت مستحيلة، وأن التاريخ قد بلغ نهايته. وإذا كان يمكن اليوم الحديث عن فاشية عالمية تكاد تكون مكتملة، فمن الجائز القول إنها كانت ثمرة لاهوت الليبرالية ذي الإيمان العقائدي الصارم.

واليوم، فإن معظم عناصر البنية التحتية العالمية للاتصالات والمال والتجارة والقانون، التي وضعتها الولايات المتحدة تحت تصرفها شبه الكامل، لم تكن في الأصل سوى مبادرات أطلقها القطاع الخاص مدفوعًا بالأحلام الليبرالية. غير أن الإمبراطورية الأمريكية، ولا سيما بعد الحادي عشر من سبتمبر، أحكمت سيطرتها الكاملة على هذه البنية التحتية العالمية، في ظل مفهوم «الحرب على الإرهاب»، بسهولة لافتة ومن دون اعتراض يُذكر، ثم حوّلتها إلى سلاح خاص بها. وأشد أشكال الهيمنة رسوخًا هي تلك التي لا يُنظر إليها أصلًا بوصفها هيمنة. فمنذ القرن الماضي، بات هذا النمط من الهيمنة يُختبر باعتباره نظامًا، وضرورةً، وعادةً، وعقلانيةً، ومنطقًا سليمًا. ولم تكن قوة النظام الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية كامنةً في قدرته على المعاقبة فحسب، بل في امتلاكه قدرةً شاملة على تعريف العالم على نحو جعل كل البدائل تُدان باعتبارها غير عقلانية وخطيرة. لقد شُيّد «السجن الأمريكي» على بنية تحتية مالية وقانونية وعسكرية ودبلوماسية ومؤسساتية وتكنولوجية وثقافية. ولم يُنظر إلى النظام الذي يعمل عبر شبكات الاعتماد الواسعة داخل هذا السجن بوصفه مجموعة من أدوات السلطة، بل باعتباره إطارًا محايدًا يتعين على الفاعلين الشرعيين التحرك ضمن حدوده. وكثيرًا ما لم تجد الدول، التي سعت طوعًا إلى دخول هذا السجن والبقاء فيه، أي حرج في استيعاب الهيمنة بوصفها نظامًا، والتسلسل الهرمي بوصفه قواعد، والإملاءات بوصفها عولمة. كما أن السردية الليبرالية، بما تمتعت به من قوة شمولية وجوهرانية، لم تجد صعوبة تُذكر في سحق النقاشات المختلفة والمقاربات البديلة.

ومع ذلك، لا يمكن الادعاء بأن هذا النظام، رغم أنه لم يمتلك يومًا بنيةً عالمية ومحايدة بالمعنى المتداول، لم يُنتج أي فوائد. فقد وفّر هذا النظام، بقيادة الولايات المتحدة، لفئات معينة في مختلف أنحاء العالم، وعلى مدى فترة طويلة، قدرًا من الاستقرار؛ كما أتاح ثمانين عامًا خلت، وللمرة الأولى منذ روما، من حربٍ مباشرة بين القوى العسكرية الكبرى، ووفّر إمكانية الوصول إلى رأس المال، والخروج من الفقر على نحو غير مسبوق مقارنة بالقرون السابقة، والوصول إلى الخدمات الأساسية، وحدًا أدنى من التنمية، وانتشار التكنولوجيا، وإتاحة المعرفة والتعليم، فضلًا عن الحماية العسكرية وإمكانية التنبؤ المؤسسي. وكان هذا النظام، من الناحية التاريخية، تراتبيةً خاصة شُيّدت حول التفوق المادي الأمريكي والسلطة المعيارية الغربية الأوسع. وفي جوهره، عمّم أيضًا بعض القواعد التي يصعب الاعتراض عليها، كما طبع الخطاب الأحادي الجانب عمليًا بطابع «الاعتماد المتبادل»، مقدّمًا إياه بوصفه أمرًا طبيعيًا.[3] ومن خلال إضفاء الطابع المؤسسي على عالمٍ بقيت فيه دول كثيرة مستقلةً شكليًا، لكنها مقيّدة بنيويًا، شيّد «السجن العالمي».

وكما هو معلوم، فإن «السجناء» يتكيفون مع مرور الوقت مع حياة السجن. فهم يستبطنون روتينها، ويتعلمون شفراتها، ويصبحون معتمدين على البنية المفروضة عليهم، ويفقدون تدريجيًا عادات الوجود المستقل خارج الأسوار. وقد مرّ جزء كبير من العالم بمسار مشابه تحت الهيمنة الأمريكية. فأصبحت الدول تعتمد على الدولار،[4] وعلى البنية التحتية المالية المتمركزة في الولايات المتحدة، وعلى الشرعية المؤسسية الغربية، وعلى المنظومة الأمنية القائمة على الولايات المتحدة، وعلى الطبقات التكنولوجية التي لا تسيطر عليها، وعلى الشفرات الثقافية التي لم تضعها بنفسها. بل إن بعض النخب حوّلت هذا الاعتماد على النظام إلى قصة حب، واستبطنت الانضمام إليه وإمكانية استخدام بنيته التحتية بوصفهما امتيازًا ومظهرًا من مظاهر السيادة. وذهب الأمر إلى أبعد من ذلك، إذ تشكّل، مع إعلان الليبرالية المتطرفة حربًا صريحة على حرية الفكر، تحالفٌ عقائدي راسخ يقوم على الاعتقاد بأن كل بديل ليس سوى وهمٍ غير سوي وخطير.

ورغم أن «السجن الأمريكي» شُيّد على البنية التحتية للاقتصاد السياسي والأمن في النظام العالمي، فإنه، في نهاية المطاف، يستمد استمراره من الامتيازات والضمانات التي توفرها الإمبراطورية الأمريكية. غير أن الولايات المتحدة، في الوقت الذي دخلت فيه مسار العودة إلى نموذج الدولة القومية، لن يكون بمقدورها الحفاظ على هذا السجن القائم واستمراره بصورته الراهنة. وعند هذه النقطة تحديدًا، يصبح بروز ما سماه غرامشي «أزمة السلطة» أمرًا لا مفر منه. ذلك أن استقرار القوة المهيمنة والنظام الذي تديره يعتمد على استمرار إيمان رعاياها، رغم كل المشكلات، بأن هذا النظام يتمتع بقدر مقبول من الشرعية، وأنه ضروري ونافع. واليوم، ورغم تلاشي هذا الإيمان على المستوى العالمي، فإن الحاجة إلى واشنطن لا تزال قائمة. وحتى أوروبا، التي تعاملت مع علاقتها بالولايات المتحدة كما لو كانت علاقة زواج، بدأت تعيش مراحل الإنكار الأولى لفكرة الطلاق من واشنطن.

ولم تكتفِ واشنطن، على مدى سنوات، بإحكام السيطرة على النظام الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، بل تولّت أيضًا قيادته. فقد جمعت بين قوتها العسكرية والاقتصادية وسلطتها الفكرية، وأقنعت جزءًا كبيرًا من العالم بأن تفوقها لا يخدم مصالحها وحدها، بل يضمن أيضًا استقرار النظام بأسره. وفي هذه السردية، لم يكن الدولار أداةً للقوة البنيوية، بل منفعةً عامة محايدة. ولم تكن المؤسسات الدولية تعمل لصالح قوى بعينها، بل كانت تعمل، وفقًا لقواعد محددة، لما فيه مصلحة الأغلبية أيضًا. ولم تكن الكونية القانونية شكلًا من أشكال الفرض، بل أرضيةً حضارية ينضم إليها من يشاء. ولم تكن القيادة العسكرية الأمريكية تعني التبعية، بل الأمن والحماية. ولم تكن العولمة اندماجًا غير متكافئ، بل شراكات متبادلة. ولم يكن النظام الليبرالي يمثل حصيلة مصالح الفئات المتميزة، بل الآفاق الرحبة للتقدم ذاته. وقد أسهم هذا الخطاب وهذه الآلية في إضفاء الشرعية على الهيمنة، وجعلا البنية القائمة قابلة للحياة، بل وجعلا كثيرين يشعرون بأن السجن أشبه بالوطن. وغدت تصنيفات النظام، وبنيته الطبقية، ونظامه العقابي، حقائق مشروعة مقبولة. ولم يعد السجناء يُنظر إليهم بوصفهم سجناء، بل باعتبارهم مشاركين. أما قضبان السجن، فكانت مالية بالكامل.[5] وهكذا تحوّل النظام المالي، على نحو لم يتحقق لأي إمبراطورية في التاريخ، إلى رافعة جيوسياسية تكاد تكون مثالية. وأصبح داخل السجن أكثر أمنًا من خارجه!

البنية التحتية للهيمنة

لقد أتاح الدور الذي يؤديه الدولار بوصفه عملة الاحتياط العالمية، والموقع المحوري لأسواق رأس المال الأمريكية، ونظام المصارف المراسلة، وهياكل الديون، والبنية العالمية لتسوية المعاملات بالدولار، لواشنطن قدرةً استثنائية على فرض الانضباط من دون حاجة إلى الاحتلال. ولم يكن على الدولة التي تدخل في مواجهة مع الولايات المتحدة أن تجد نفسها، في المرحلة الأولى، في مواجهة قوة عسكرية. ففي كثير من الأحيان، كان ما تواجهه هو شكلٌ من أشكال الإقصاء يسمّم الحياة داخل السجن: العزل عن نظام التسويات، والتمويل، والسيولة، وثقة المستثمرين، والتأمين، وآليات التشغيل الاعتيادية للتبادل العالمي. وكانت مصارفها تُعامَل كما لو أنها مصابة بالجذام. وتتعثر عقودها التجارية. وتتحول ديونها فجأة إلى ديون سامة. وتتراجع شركاتها عن تحمل المخاطر. وتختل سلاسل الشراء والإمداد، ويصاب تجارتها الخارجية بالشلل. ولا يقتصر الأمر على تقييد حرية حركة السلع، بل يمتد إلى تقييد حرية تنقل مواطنيها أيضًا. وهكذا نشأ، بكل ما للكلمة من معنى، نظامٌ للترابط المتبادل المُسلَّح.[6]

ولم يكن هذا العالم، كما ادّعى المبشرون الليبراليون، سوقًا مسطحةً وخاليةً من الاحتكاك ومحايدةً سياسيًا، بل كان نظامًا شديد المركزية، يقوم على الروابط الاقتصادية والتكنولوجية المنظمة حول نقاط اختناق استراتيجية. فقد تمركز النظام المالي العالمي حول تسويات الدولار وشبكات المراسلة المالية، بينما تركزت الاتصالات حول المنصات الرقمية الأمريكية والبنى التحتية للمعلومات. أما إنتاج أشباه الموصلات فكان موزعًا عالميًا، غير أن أدوات التصميم الأساسية وحقوق الملكية الفكرية الحاسمة بقيت في حوزة عدد محدود من الشركات الأمريكية. وكانت كل واحدة من هذه الطبقات تمثل جزءًا من منظومة الهيمنة الأمريكية الأوسع. وبعبارة أخرى، كان «السجن الأمريكي» قد شُيّد بوصفه منظومةً من العلاقات المؤسسية والتكنولوجية المتداخلة، التي يعزز بعضها بعضًا، وتجعل المشاركة في الحياة الحديثة مرادفة، بصورة متزايدة، للاعتماد المباشر أو غير المباشر على بنى تحتية تديرها الولايات المتحدة.

وتعلّمت الولايات المتحدة، ولا سيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، كيف تحوّل هذه المركزية إلى أداة للانضباط. فما بدأ بوصفه جهودًا لتعقب تمويل الإرهاب، تطور إلى نموذج لإدارة الدولة أكثر استبدادًا وأكثر ميلًا إلى المراقبة. واتسعت العقوبات من أهداف محدودة إلى قطاعات بأكملها، ثم لتشمل دولًا بأسرها. بل ظهر نظام «العقوبات الثانوية» الأكثر تدميرًا. ولم يعد الإنترنت مجرد وسيلة للاتصال، بل أصبح أيضًا فضاءً للمراقبة يتيح للسلطات الأمريكية الحصول على معلومات استراتيجية عبر المنصات والشركات الخاضعة لاختصاصها القضائي.[7] ومع الثورة التي أحدثها الهاتف المحمول المقترن بالإنترنت، تحوّل التتبع الفردي على نطاق عالمي إلى ما يشبه فرض سوار إلكتروني يطوّق البشرية جمعاء. ولم يقتصر نظام السجن هذا على إخضاع الدول، بل جعل حتى الأفراد العاديين «يكاد يستحيل عليهم أن يقضوا يومًا واحدًا من دون أمريكا».[8] وسرعان ما تكيفت الأنظمة القانونية، وأجهزة الأمن، والسلطات القضائية مع هذه التحولات. وهكذا أُطلق على الحقبة التي شهدت أعلى درجات السيطرة والهيمنة والمراقبة في تاريخ البشرية اسم «العصر الأكثر ليبرالية».

لقد تمثّل النجاح الحقيقي لهذا النظام الرقابي الجديد في أنه لم يكتفِ بإخضاع مؤسسات الدولة، بل حوّل أيضًا الفاعلين في السوق إلى أدوات تمارس الرقابة على نفسها بنفسها. فقد بالغت المصارف في الامتثال، وكانت الشركات تتجنب أي معاملات قد تستدعي التدقيق، فيما كانت الدول تعيد مواءمة سياساتها مسبقًا. وامتدت العقوبات الأمريكية، وتدابير مكافحة الفساد، وضوابط التصدير، وقواعد الشفافية، والتنظيمات المالية، إلى ما هو أبعد بكثير من حدود الولايات المتحدة. بل إن معاملةً مشروعة بموجب القانون الداخلي بين دولتين كان يمكن أن تصبح عرضة للعقاب بمجرد أن تمسّ بنيةً تحتية أو نظامًا ماليًا خاضعًا للاختصاص القضائي الأمريكي. وانتهى المشهد الهوليوودي التقليدي الذي يقف فيه الشرطي الأمريكي عاجزًا عند حدود الولاية لانتهاء ولايته القانونية، أو يستعيد فيه الهارب حريته بمجرد عبوره الحدود المكسيكية. فقد اكتسبت العقوبات القانونية قدرةً على ملاحقة الأشخاص، والمؤسسات، والأموال، والبيانات عبر الحدود. وهكذا تحوّل نظامٌ شُيّد تحت شعار الشفافية تدريجيًا إلى أداةٍ شاملة للسيطرة. ولم يكن الهدف مجرد معاقبة «الأعداء»، بل إفهام الجميع الكلفة التي تترتب على أي خروج عن المسار.

وكان الأمن يشكّل الجدار الخارجي للسجن. فلم يكن النظام الذي تقوده الولايات المتحدة قائمًا على المال والقواعد وحدهما، بل استند أيضًا إلى التحالفات، والقواعد العسكرية، والدوريات، وشبكات الاستخبارات، ومبيعات الأسلحة، والوعد بأن تبقى الولايات المتحدة الضامن الذي لا غنى عنه للاستقرار. ولا سيما في أوروبا، وأجزاء من آسيا، والشرق الأوسط، تحولت هذه المظلة بالنسبة إلى كثير من الدول إلى المصدر الأمني الوحيد، رغم ما ينطوي عليه من مخاطر جسيمة. ومع مرور الوقت، تداخلت الحماية مع التبعية إلى درجة ألغت تمامًا القدرة على التخيل الاستراتيجي المستقل، ثم تحولت هذه التبعية تدريجيًا إلى حالة من التكييف الاستراتيجي. ذلك أن الإطار الأمريكي نفسه أصبح النحو الذي يحكم التفكير الاستراتيجي. وزادت المؤسسات الدولية من ترسيخ هذا الارتهان؛ إذ تحولت، وهي التي تحمي مصالح الولايات المتحدة والأولويات الأيديولوجية والاستراتيجية للكتلة الأطلسية، إلى أدوات للانضباط تبدو ظاهريًا وكأنها تتيح المجال للمشاركين، بينما كانت في جوهرها تعمّق آليات عمل النظام نفسه.[9]

وكان حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي أُنشئ لمعسكر الغرب، أحد أكثر أجنحة «السجن الأمريكي» امتيازًا. غير أن جميع نزلاء هذا الجناح لم ينضموا إليه للأسباب نفسها، بل بدأت دوافع العضوية تتغير، ولا سيما بعد سنوات التأسيس والمراحل الأولى الساخنة من الحرب الباردة. فبينما اختبرت أجزاء واسعة من أوروبا الناتو، على مدى عقود، من خلال الحماية التي وفرتها المظلة الأمنية الأمريكية، أدركت تركيا، في مرحلة مبكرة نسبيًا، أن هذه العلاقة لم تكن يومًا شراكةً أمنية غير مشروطة. فقد كشفت العقوبات الأمريكية التي فُرضت عقب عملية قبرص، إلى جانب محاولات فرض العقوبات العسكرية والسياسية والتكنولوجية التي تكررت في مراحل مختلفة، كيف يمكن للتحالف أن يتحول، عند الضرورة، إلى آلية لمعاقبة أحد أهم أعضائه. ومع ذلك، لم تنظر أنقرة إلى الناتو يومًا بوصفه مؤسسةً لإنتاج الأمن فحسب، بل باعتباره بوابةً استراتيجية تتيح الوصول إلى البنية التحتية العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والدبلوماسية للنظام الغربي. إذ إن كلفة البقاء خارجه كانت، في معظم الأحيان، أعلى من كلفة البقاء داخله والتفاوض من موقع العضوية. وكانت بنية الأمن، وهيكل القيادة، وسلاسل إمداد السلاح، وشبكات الاستخبارات، وثقافة العمليات المشتركة، تفرض جميعها نحوًا استراتيجيًا يتمحور حول واشنطن. ولهذا تحديدًا، لم يكن أعظم إنجاز حققه الناتو هو ردعه العسكري، بقدر ما كان حصر تصور أعضائه للأمن وللعالم داخل حدود النظام الأمريكي، بما أدى إلى إلغاء القدرة على التفكير الاستراتيجي المستقل. وقد تجلت نتائج ذلك، في حالة تركيا بوصفها العضو الوحيد غير الغربي، في أن التصور الذهني لنخبها العسكرية أفرز، طوال سنوات طويلة، نظامًا وصائيًا ثقيلًا، وانعكس كذلك على الحياة السياسية والاجتماعية الداخلية، ليتحول إلى عجز ديمقراطي وأزمة في السياسة الخارجية.

وكانت البرمجية الثقافية والمعرفية إحدى أعمق طبقات هذا السجن. فمن خلالها جرى، إلى حد بعيد، تشكيل ما يفكر فيه الناس وكيف يفكرون. ومن زاوية معينة، أفضى ذلك أيضًا إلى لحظة «نهاية التاريخ». فحين خضعت المخيلة ذاتها للاستعمار وتحولت إلى مجرد تعليمات جاهزة، أصبح من الحتمي أن يشهد العالم أزمةً فكرية وتآكلًا في منظومة القيم. وراحت أطروحات نهاية الأيديولوجيات، ونهاية الأديان، ونهاية البدائل، تتردد في كل مكان، وتُستهلك بسلاسة في أوساط النخب والأكاديميا والسياسة والإعلام. ونتيجة لذلك، أصبحت أزمة القيم والأيديولوجيا والسياسة ملموسة على المستوى العالمي، وغدا العالم، إلى حد بعيد، مسطّحًا على محور اللاتسييس. وإذا أخذنا جميع هذه الديناميات في الاعتبار، فإن الأزمة الجيوسياسية العالمية التي نعيشها اليوم تتجاوز مجرد إشكالية إعادة توزيع القوة أو إعادة الاصطفاف، لتجسد أزمةً عميقة في السلطة. وهذا يعني أن آلام «عجز الجديد عن الولادة» ستكون اليوم أكثر اختلافًا وأشد وطأة مما كانت عليه في مراحل انتقال الهيمنة السابقة. ففي الماضي، ولا سيما منذ القرن السابع عشر، خلال مرحلة نضج الرأسمالية الحديثة، كانت صورة البرمجية الاقتصادية ـ السياسية التي يحملها الصاعد المتحدي واضحة إلى حد بعيد. أما اليوم، فعلى الرغم من أن هوية القوة الصاعدة باتت جلية، فإن هذه القوة، وفي مقدمتها هي نفسها، لا تُمنح دور الفاعل المؤسس لنظام عالمي جديد، ولا دور القوة المهيمنة الجديدة القادرة على إنتاج الشرعية.

انهيار السلطة: الهيمنة التي فقدت شرعيتها

في الماضي، لم تكن كل قوة مهيمنة جديدة، وهي في طور الصعود، تحمل قدرات عسكرية واقتصادية فحسب، بل كانت تمتلك أيضًا «لغة الشرعية» أو البرمجية الخاصة بعصرها. ففي العصور القديمة، كانت فكرة النظام التي نشأت مع بناء المدن تقدم، في الوقت ذاته، برمجيتها المميزة. وفي القرنين الخامس عشر والسادس عشر، صعدت الدولة العثمانية مستندةً إلى فكرة «نظام العالم» وإلى نظام إمبراطوري متعدد الثقافات. أما القوة المهيمنة الصاعدة في القرن السابع عشر، فقد حملت سمات واضحة، مثل الرأسمالية التجارية، وأخلاقيات العمل، والنظام البرجوازي. وفي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ظهرت حول القوى المهيمنة الصاعدة تيارات نشأت في إنجلترا وفرنسا، مثل الملكية الدستورية، والليبرالية التجارية ثم الليبرالية الكلاسيكية، والانتقال من المركنتيلية إلى التجارة الحرة الحديثة، والجمهورية الثورية، والنظام الدستوري البرلماني. وفي القرن الماضي، قدّمت الولايات المتحدة، التي تحولت إلى القوة المهيمنة، للعالم برمجيتها العالمية المتمثلة في الليبرالية الديمقراطية، والرأسمالية، ثم المؤسسية الليبرالية. أما اليوم، فإن أحد أهم الأسباب التي تجعل المرحلة الانتقالية تدخل في أزمة عميقة يتمثل في غياب برمجية، أو منظومة قيم، أو رؤية حضارية أو إنسانية، تقدمها القوة الصاعدة إلى العالم على نحو مقنع وبما يكفي لإنتاج الشرعية. وفي الوقت الذي تتقمص فيه القوة المهيمنة الآفلة دور «المفترس»[10] و«الدولة المارقة»[11]، تنظر الصين الصاعدة إلى العالم بوصفه مجرد سوق تنقل إليه حاوياتها.

وليس في هذا الوضع، عند التأمل فيه، ما يدعو إلى الاستغراب. فطوال الثمانين عامًا الماضية، عملت الليبرالية الدولية، لا بوصفها مشروعًا عالميًا، بل باعتبارها آليةً معاديةً للسياسة تخفي وراءها التراتبية العالمية. وبعبارة أخرى، ربما لم تجعل العولمة العالم مسطحًا، لكنها ضيّقت أفق البشرية وأفسدت قدرتها على التفكير إلى الحد الذي حال، بعد أفول الهيمنة، دون ظهور منظومة قيم جديدة أو أفق سياسي جديد، كما كان يحدث في المراحل السابقة. وإذا كان ثمة «جديد» سيولد اليوم، فإن انهيار جدران «السجن الأمريكي» يعني، في حقيقته، سقوط هذا القناع. والغريب هو حالة الذعر التي يبديها السجناء إزاء احتمال زوال السجن. ومع ذلك، فليس في هذا ما يثير الدهشة؛ إذ إن الحديث عن «الجديد» لا يشير إلى منظومة قيم تخصه، ولا إلى بديل نظامي متكامل. بل إن السجناء لا يكتفون بالخوف من انهيار الجدران، وإنما يخشون حتى مجرد انتقاد نظام السجن. إنهم يخافون من زوال النظام القائم أكثر مما يخافون من «الوحوش» المحتملة التي تحدث عنها غرامشي. بل إن أكثر الانتقادات وضوحًا وانتشارًا تتمثل في لوم باني السجن لأنه لم يعد يدافع عن سجنه.

ويكمن السبب الرئيس وراء عدم ظهور النظام الجديد، أو وراء الصورة الضبابية التي تكتنف إعادة اصطفاف القوى العالمية وتوازنها، في أن عملية إعادة ترسيخ موازين القوة الجارية اليوم لا تتطور في أعقاب أزمة كبرى انتهت بحرب، كما حدث في الماضي. فقد لم يكن من الممكن أن يظهر نظام يالطا إلا بدافع القوى المنهكة إلى تجنب الانزلاق مجددًا إلى صراع عالمي. وفي السابق، كانت المنافسة الجيوسياسية والتنافس على النفوذ تجري، في نهاية المطاف، داخل مجالات اعترفت بها الأطراف، قانونًا أو واقعًا، بوصفها حدودًا لنفوذها. ولذلك، فإن مجالات النفوذ اليوم لا تنتج توازنًا، ولا تسهم في تحقيق الاستقرار. وفي الماضي، كان الموقع الجغرافي وحده كافيًا ليجعل الدولة قوية داخل مجال نفوذها. أما اليوم، فلا الصين، ولا الولايات المتحدة، ولا أي قوة أخرى، قادرة على الانفصال عن التحالفات التي أنشأتها هي نفسها في كثير من الأحيان، أو عن قواعدها العسكرية خارج أراضيها، أو عن شبكات التجارة والمال، والتوجه منفردة إلى مجالات نفوذها الجغرافية، أو تحويلها وحدها إلى موردٍ كافٍ لتعظيم قوتها.[12]

غير أن التركيز الرئيس في وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة، والمتمثل في الانكفاء إلى النصف الغربي من الكرة الأرضية وإعلانه مجال النفوذ النهائي للولايات المتحدة، ليس أكثر واقعية من محاولات الصين أو غيرها من الدول الاكتفاء بمجالاتها الجغرافية أو إقصاء القوى الأخرى عنها. وإلى جانب مسألة مجالات النفوذ، ثمة عامل خاص يدفع النظام إلى الأزمة يتمثل فيما تشهده الولايات المتحدة نفسها. فالأزمة البنيوية الأمريكية، التي يجري التستر عليها عبر الإرهاب الخطابي لترامب، تتفاقم باستمرار. فالبلد الذي أنشأ النظام الذي نشأ بعد عام 1945 وقاده يعاني اليوم من عدم استقرار سياسي. وهذه ليست تطورًا متوقعًا في دولة لا تزال تتمتع بتفوق اقتصادي وعسكري واضح على بقية العالم. غير أن هذا المزيج الشاذ بين «عدم الاستقرار السياسي» و«القوة الاقتصادية والعسكرية» يجعل الولايات المتحدة فاعلًا أكثر تدميرًا خلال المرحلة الانتقالية. ولهذا السبب تحديدًا، أصبح وصف «الدولة المارقة والمفترسة» يُستخدم اليوم بسهولة لوصف الولايات المتحدة في وسائل الإعلام والأوساط الأكاديمية الأمريكية السائدة.

وقد دخل عصر «الترابط المتبادل المُسلَّح» اليوم مرحلة جديدة. فلم تعد نقاط الاختناق الاستراتيجية حكرًا على طرف واحد. وقد أظهرت التطورات كيف استطاعت إيران، التي كان كثيرون يعتقدون أنها ستُجبر على الركوع خلال أسابيع، أن تحول مضيق هرمز إلى رافعة جيوسياسية. وبصرف النظر عن هذا المثال الراهن، كانت الصين تستعد منذ زمن طويل لمواجهة هشاشة نقاط الاختناق. فقد أنشأت آلية خاصة بها للرقابة على الصادرات، ولم تكتفِ بالسعي إلى ضمان الوصول إلى التقنيات الحيوية، بل اتجهت أيضًا إلى السيطرة على الأجزاء الحاسمة من سلاسل الإمداد الصناعية والتنظيمية. وتُعد العناصر الأرضية النادرة أوضح مثال على ذلك. ولا تكمن أهمية هذا التطور في أنه يدل على ضعف الولايات المتحدة، بل في أنه يكشف أن أدوات الانضباط التي يملكها «السجن» لم تعد أحادية الجانب. فالنظام الذي كانت الولايات المتحدة تسيطر عليه يومًا بوصفه أحد أعظم مزاياها الاستراتيجية، يتحول اليوم إلى ساحة نزاع لم تعد مركزيته فيها أمرًا لا جدال فيه.

وقد بدأت نتائج ذلك تظهر بالفعل في تفتت الاقتصاد العالمي. فاستراتيجيات الدول للتحوط من المخاطر تزيد من الاهتمام بأنظمة الدفع البديلة، كما تكتسب المشاريع التكنولوجية الإقليمية قيمة استراتيجية جديدة. ولم تعد سلاسل الإمداد تُعاد صياغتها على أساس الكفاءة وحدها، بل أيضًا على أساس حجم التعرض للمخاطر. وحتى في المجالات التي ما تزال البدائل فيها محدودة، تتعزز الرغبة في تقليص الهشاشة أمام الضغوط الأمريكية. وتمثل هذه المسألة أهميةً حيوية بالنسبة إلى القوى المتوسطة؛ فهذه الدول ليست مراقبين للأزمة من الخارج، بل هي سجناء ما زالوا يعيشون داخل السجن بينما تتآكل سلطة الولايات المتحدة. فاقتصاداتها ما تزال مرتبطة بدورات الدولار، ونخبها لا تزال، في كثير من الأحيان، تتشكل داخل الأطر المعرفية الغربية، كما تواصل مؤسساتها الأمنية العمل وفق الافتراضات والإمكانات التي صاغتها الولايات المتحدة على مدى عقود. وهي، من جهة، تعيش «المشكلة الأمريكية» بصورة مباشرة، لكنها، من جهة أخرى، تفتقر إلى البنية التحتية التي تمكّنها من الخروج من هذا النظام، كليًا أو حتى جزئيًا.

ولهذا السبب، لا تكمن القيمة الوحيدة، في الوقت الراهن، للدعوات الخطابية إلى التعددية القطبية بالنسبة إلى القوى المتوسطة إلا في كونها تشكل ورقة ضغط في مفاوضاتها بشأن «المشكلة الأمريكية». بل إن هذه التعددية القطبية لا تحمل، في واقع الأمر، معنى يتجاوز العلاقة مع الصين، التي يُنظر إليها بوصفها «القطب الثاني». وفي نهاية المطاف، لم تحتل الصين موقعًا جيوسياسيًا يتجاوز كونها عاملًا محفزًا ومصدرًا للنفوذ الاستراتيجي بالنسبة إلى بقية العالم في مفاوضاته مع واشنطن. وإذا أضيف إلى هذه الحالة الجيوسياسية المعلقة افتقار الصين إلى رؤية إمبراطورية وإلى استعداد لتحمل مسؤوليات الهيمنة، أصبح من الأسهل إدراك مدى صعوبة «انبثاق الجديد».[13]

من السجن الأمريكي إلى سجن G-2

عندما كانت الولايات المتحدة قوةً صاعدة في النظام العالمي، كانت نزعتها إلى الانعزالية واضحة. وحين أصبحت القوة المهيمنة، تبنّت الأحادية. أما اليوم، فقد دخلت مرحلةً خطيرة تتداخل فيها النزعة الانعزالية مع النزعة التوسعية (توسيع مجالات النفوذ)، وهي مرحلة باتت تُوصَف فيها، على نحو متزايد، بأنها «دولة مارقة». وفي الوقت نفسه، تواصل الولايات المتحدة توترًا مفتوحًا مع الصين، القوة الصاعدة، على نحو يشعر العالم بأسره بتداعياته. وما تكشفه هذه التطورات هو أن الجغرافيا السياسية العالمية لم تعد، بالمعنى التقليدي، مجرد «مجموع أزمات»، بل إنها تقف عند عتبة انتقالية يتفكك فيها النظام القديم، فيما لم يتبلور النظام الجديد بعد في صورة مؤسسية. ولهذا، لم يعد الغموض العالمي مجرد مشكلة جيوسياسية أو أمنية أو اقتصادية مؤقتة، بل أصبح علامةً على تحول بنيوي في النظام العالمي يعمل في هذه المجالات جميعًا في آنٍ واحد. وفي قلب هذا التحول يقف المحور الأمريكي–الصيني، أي عالم G-2 الذي يتشكل فعليًا.

ولم يعد السؤال الأساسي الذي يطرحه النظام العالمي الآخذ في التشكل هو ما إذا كانت الصين ستواصل صعودها، أو ما إذا كانت الولايات المتحدة ستنجح في الحفاظ على موقعها المهيمن. فالصين قد صعدت بالفعل، بينما لا تزال الولايات المتحدة قوةً كبرى، لكنها قوة آخذة في التفكك. أما السؤال الحقيقي فهو ما إذا كان بقية العالم سيُحشر داخل نظام G-2 الفعلي الذي ترسمه واشنطن وبكين. وهذا يعني، بالنسبة إلى العالم، بنيةً paradoxية للقوة تُنتج فيها كلٌّ من المواجهة والتفاهم بين الولايات المتحدة والصين أثمانًا باهظة. فالصدام المفتوح بين واشنطن وبكين يحمل خطر تقسيم الاقتصاد العالمي إلى كتل متنافسة عبر التكنولوجيا، والتجارة، وأشباه الموصلات، وسلاسل الإمداد، والتمويل، والعقوبات، والرسوم الجمركية، وأمن التجارة. وفي المقابل، فإن أي تفاهم ثنائي بينهما سيتجاوز التعددية «القائمة على القواعد»، ليحوّل بقية العالم، بصورة لا مفر منها، إلى موضوع مساومة بين القوتين الكبريين. وبعبارة أخرى، إذا لم يتحرر العالم خارج الولايات المتحدة من خوفه من انهيار «السجن الأمريكي» ويتجه إلى بدائل أخرى، فقد يجد نفسه في الوقت ذاته داخل «سجن G-2».

ولا يشترط أن يتجسد نظام G-2 في صورة تحالف رسمي أو اتفاق معلن على تقاسم العالم. فقد يجد العالم نفسه أمام احتكار ثنائي عدائي. ويمكن للولايات المتحدة والصين أن تتصارعا، أو تتفاوضا، أو تعاقب إحداهما الأخرى، أو تعملا، بين الحين والآخر، على إعادة الاستقرار إلى علاقاتهما. وما يجعل واقع G-2 مشكلة يصعب تجاوزها بالنسبة إلى العالم هو أنه يتشكل بمعزل عن كون القوتين صديقتين أو خصمتين؛ فسواء اتفقت الولايات المتحدة والصين أم تصادمتا، فإن العالم سيدفع ثمنًا باهظًا في الحالتين. فالولايات المتحدة تفرض، ولا سيما خلال الربع الأخير من القرن الماضي، هيمنةً ضاغطة على النظام المالي العالمي، والعقوبات، ومنظومة الدولار، والتحالفات العسكرية، وشبكات الدفاع المتقدمة، وعلى جانب كبير من البنية المؤسسية للنظام الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية. أما الصين، فهي تهيمن، بصورة لا تقل أحادية وضغطًا، على قدراتها الإنتاجية، وسلاسل الإمداد الحيوية، ومعالجة العناصر الأرضية النادرة، وتمويل البنية التحتية، وحجمها الصناعي، وعلى نحو متزايد، على النظام البيئي التكنولوجي للمستقبل. فإحدى القوتين تحوّل المال، والأسواق، والحماية العسكرية، والعقوبات إلى أسلحة؛ بينما تستطيع الأخرى أن تحوّل الإنتاج، والمعادن، والبنية التحتية، والاعتماد الصناعي إلى أسلحة. والخطر الحقيقي الذي برز خلال السنوات الأخيرة هو أن الولايات المتحدة والصين بدأتا تكتشفان أن كليهما قادر على تحقيق مكاسب من نمط من المنافسة يمكن التحكم فيه. وهذا يعني أن بقية العالم لم تعد عالقة بين الخير والشر، بل بين نمطين مختلفين من القوة، يخلو كل منهما من رؤية عالمية ومنظومة قيم، ولا تحكمهما سوى عقلية التبادل والمقايضة.

ولا يمثل ذلك، بطبيعة الحال، لحظةً أخرى من «نهاية التاريخ». فثمة حقيقة أساسية ينبغي عدم إغفالها، وهي أن الاعتماد الاقتصادي المتبادل، والأمن الاقتصادي، والتنافس الجيوسياسي، تشكل في جوهرها «ثالوثًا مستحيلًا». فلا توجد قوة، سواء أكانت مهيمنة أم لا، تستطيع الجمع بين أكثر من عنصرين من هذه العناصر في آنٍ واحد. ومع عودة التنافس الجيوسياسي إلى الواجهة اليوم، بعد أن اختفى مؤقتًا عقب الحرب الباردة، لن يكون في مقدور واشنطن الخروج من هذا الثالوث المستحيل من دون أن تدفع ثمنًا. وبالمثل، فإن الصين، التي تطمح إلى نظام G-2 على حساب الولايات المتحدة وبقية العالم، لا تستطيع، على نحو واقعي، أن تفرض هيمنتها عالميًا على هذا الثالوث، أو حتى على عنصرين منه في الوقت نفسه.

ذلك أن التحولات الجيوسياسية الحاسمة في التاريخ لا تبدأ، في الغالب، عندما يدركها الجميع، بل عندما يبدو الفاعلون وكأنهم ما زالوا يتحركون داخل النظام ذاته. وهذا ما عبّر عنه جيمس برنهام في ملاحظته اللافتة الواردة في مستهل كتابه «الصراع من أجل العالم» الصادر عام 1947، حين قال: «لقد بدأت الحرب العالمية الثالثة في أبريل/نيسان 1944». وكان يقصد بذلك أن الحرب الباردة لم تبدأ بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، بل بدأت في قلبها، متخفيةً داخل تحالفٍ ظاهري، بينما كان الجنود الأمريكيون والسوفييت لا يزالون يقاتلون عدوًا مشتركًا. وبالمنطق نفسه، يمكن القول إن الحرب العالمية الرابعة بدأت في التاسع من نوفمبر/تشرين الثاني 1989، مع الضربات الأولى التي وُجهت إلى جدار برلين. ففي الوقت الذي كان فيه الغرب يحتفل بـ«نهاية التاريخ»، كانت الصين، مستفيدةً من الدروس التي استخلصتها من انهيار الاتحاد السوفييتي، تستغل الأسواق المفتوحة، وتستثمر إلى أقصى حد في الفرص التي أتاحتها المؤسسات متعددة الأطراف، وتحشد قدراتها الداخلية للقضاء على الفقر، وتحول، بصمتٍ ومنهجية، بنية العولمة التي شُيدت بقيادة الولايات المتحدة إلى أداة لصعودها الطويل والصبور. واليوم، بلغت هذه المنافسة مرحلتها الأكثر حساسية. وفي نهاية المطاف، تجد القوتان الكبريان نفسيهما محكومتين بمنافسة سيحدد مآلها مصير هذا القرن، بينما يراقب العالم، بقلق، من جهة، ما سيؤول إليه «السجن الأمريكي»، ومن جهة أخرى، عملية تشييد «سجن G-2» الذي تضع واشنطن وبكين أسسه معًا.

ومع ذلك، فإن الأزمة التي نعيشها اليوم ما تزال تحتفظ باحتمال أن تكون دورةً أكثر منها موجةً تاريخية. فمنذ الحرب الباردة، تتحرك إيقاعات لحظات الهشاشة بقدر من الانتظام، ولم يجرِ بعد خروجٌ جذري من النظام القائم. ولتفسير هذه الحالة، ليس من الخطأ استحضار حركة الثورات السعرية وموجاتها التي شهدها التاريخ.[14] فالموجات الجيوسياسية قد تتحرك ضمن ترددات زمنية وإيقاعات مشابهة لتلك التي تتحرك بها تقلبات الأسعار والموجات الاقتصاد-سياسية. ولكي نستطيع الحديث عن موجة جيوسياسية كبرى، ينبغي أن نلحظ في حركة الأسعار تسلسلًا تطوريًا ونمطًا نسبيًا مماثلين، وأن نجد تحركات متشابهة في الأجور والإيجارات وأسعار الفائدة، فضلًا عن التقلبات الخطيرة نفسها في مراحلها المتأخرة. ومن هذا المنظور، يمكن القول إن الأزمة التي نمر بها اليوم لا تزال، حتى الآن، أقرب إلى كونها دورةً منها مرحلةً من موجة تاريخية.

غير أن ما ينبغي عدم نسيانه هو أن جميع الثورات السعرية الكبرى في التاريخ الحديث بدأت خلال فترات الازدهار، وانتهت كلها بأزمات عالمية مزلزلة. وحتى اليوم، لا يمكن الحديث عن موجة من هذا النوع. وكما أن الثورات السعرية تتبع إيقاعًا معينًا ودينامية قائمة على تجاوز العتبات، فإن التحولات الجيوسياسية الكبرى تنضج أيضًا مع تآكل موازين القوى، وتفكك بنية التحالفات، واحتدام التنافس الاستراتيجي. فالحروب، في معظم الأحيان، ليست سببًا لهذه العملية، بل هي نتيجة للتوترات المتراكمة. كما أن جانبًا كبيرًا من الانكسارات الجيوسياسية الحاسمة لم ينشأ في مراحل الفقر التي يكون فيها النظام على وشك الانهيار، بل تبلور في الفترات التي بلغ فيها النظام الدولي القائم ذروة قوته، وتسارع فيها النمو الاقتصادي وتراكم القوة. ولذلك، فإن الأزمة التي نعيشها اليوم ليست مواجهة تاريخية فرضها نظام منهار، بل هي الحساب التاريخي المحتوم الذي يفرضه نظام بلغ حدود نجاحه. وإذا لم تنشغل البشرية، عند هذه المرحلة من هذه المواجهة، بإنتاج بديلها الخاص كما فعلت في مراحل سابقة، فقد لا يبقى لديها حتى القدرة على الاختيار بين «السجن الأمريكي» و«سجن G-2» اللذين يفتقران معًا إلى رؤية إمبراطورية. فالقضية الحقيقية ليست ما الذي سينتجه التحول في النظام العالمي، ولا أي قوة ستصعد، بل ما إذا كانت البشرية قادرة على أن تبني من جديد أفقًا سياسيًا أصيلًا، قادرًا على إنتاج الشرعية، ومؤهلًا للقيادة، ومتجاوزًا لمنطق الهيمنة. إذ إن ما بلغناه اليوم تجاوز كونه نقاشًا حول نموذج للحكم، أو نظامًا اجتماعيًا، أو مقاربات اقتصادية مختلفة، ليصبح قضية كرامة إنسانية.

المراجع

  1. دخلت هذه الجملة الوحيدة التي كتبها غرامشي عام 1930 إلى حقل النظرية السياسية أولًا بعدما استخدمها ستيوارت هول في ثمانينيات القرن الماضي بوصفها أداةً مفاهيمية مهمة في نقده للثاتشرية. ثم تحولت إلى شعار ذي طابع درامي عندما استخدمها سلافوي جيجك عام 2010، في ترجمةٍ متحررة، بصيغة «زمن الوحوش». وفي عام 2016، ازدادت حضورًا في الخطاب الأكاديمي والسياسي بعدما جعلها جلبير الأشقر عنوانًا وافتتاحيةً لكتابه. وبعد عام 2016، ومع أحداث مثل الربيع العربي، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (Brexit)، وصعود ترامب، تحولت إلى مرجعٍ واسع الانتشار يلجأ إليه الجميع لتفسير أزماتهم الخاصة، لتغدو استعارةً متنقلة منفصلة تمامًا عن سياقها الفيلولوجي الأصلي. بل إن الأشقر نفسه اضطر عام 2021 إلى نشر مقالٍ تصحيحي يشكك في هذه القراءة الشائعة.
  2. Henry Farrell & Abraham Newman, Underground Empire: How America Weaponized the World Economy, Penguin, 2024.
  3. Daniel Drezner, Henry Farrell & Abraham Newman (eds.), The Uses and Abuses of Weaponized Interdependence, Brookings Institution Press, 2021.
  4. Barry Eichengreen, Exorbitant Privilege: The Rise and Fall of the Dollar, Oxford University Press, 2012.
  5. Nicholas Mulder, The Economic Weapon: The Rise of Sanctions as a Tool of Modern War, Yale University Press, 2022.
  6. Edward Fishman, Chokepoints: American Power in the Age of Economic Warfare, Penguin Random House, New York, 2025.
  7. Jack Goldsmith & Tim Wu, Who Controls the Internet? Illusions of a Borderless World, Faculty Books, 2006.

https://scholarship.law.columbia.edu/books/175

  1. Life without US Tech: What Happens if Washington Pulls the ‘Kill Switch’ on Digital Services?, Financial Times, 11 May 2026.

https://www.ft.com/content/4c3aad70-e0cb-46a2-95d5-15d11b6bf818

  1. Stephen M. Walt, The Hell of Good Intentions: America’s Foreign Policy Elite and the Decline of U.S. Primacy, Farrar, Straus and Giroux, 2018.
  2. Stephen Walt, “The Predatory Hegemon: How Trump Wields American Power,” Foreign Affairs, March/April 2026.
  3. Robert Kagan, “America Is Now a Rogue Superpower,” The Atlantic, 30 March 2026.
  4. John J. Mearsheimer, The Great Delusion: Liberal Dreams and International Realities, Yale University Press, 2018.
  5. Woosang Kim & Scott Gates, “Power Transition Theory and the Rise of China,” International Area Studies Review, Vol. 18, 2015, pp. 219–226.
  6. David Hackett Fischer, The Great Wave: Price Revolutions and the Rhythm of History, Oxford University Press, 1996. ويرى فيشر أن التاريخ الأوروبي شهد ثلاث موجات نقدية كبرى كاملة، تكوّنت كل واحدة منها من مراحل ثورة الأسعار، وأزمة الحرب، ثم إعادة التوازن، كما يجادل بأن التضخم المستمر في القرن العشرين شكّل بداية الموجة الرابعة.

المصدر: www.perspektifonline.com

 

Taha Özhan

طه أوزهان
يشغل أوزهان منصب مدير الأبحاث في معهد أنقرة، وعمل كأكاديمي زائر في جامعة أكسفورد خلال عامي 2019-2020. وشغل منصب كبير مستشاري رئيس الوزراء، وأصبح نائبًا في البرلمان التركي في الدورتين الخامسة والعشرين والسادسة والعشرين، ورئيسًا للجنة الشؤون الخارجية في البرلمان، بين عامي 2014 و2016. وفي الفترة بين عامي 2009 و2014، شغل منصب رئيس مركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية (سيتا)، وكان أحد مديريه المؤسسين في عام 2005. وهو حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية، وآخر كتاب أصدره يحمل عنوان "تركيا وأزمة نظام سايكس بيكو".
البريد الإلكتروني: [email protected]

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.