المصدر: مجلة YARIN، ديسمبر 2002
عندما يقرأ المرء أخبارًا تكاد تقيس نبض تركيا، لا يملك إلا أن يطرح هذا السؤال. فمن جهةٍ: حالات انتحار، ونوبات جنون، وطلاق، وفساد، وشجارات، وشوارع بلا أرصفة، وأحياء بلا أشجار، وأطفال يتغذّون تغذية غير صحية؛ وساعات تُستهلك داخل وسائل نقل عام لا تختلف عن علب الصفيح؛ ومبانٍ معتمة خانقة، كتل من الخرسانة؛ وبيوت تفتقر إلى الحسّ الجمالي، مكتظّة بالأثاث حتى التخمة… ومن جهةٍ أخرى: علاقات إنسانية تزداد فسادًا وغلظةً وتصلّبًا؛ وصداقات تتآكل؛ ووجوه عابسة على الدوام، حزينة، قلقة، متوترة؛ وأناس يضحكون لأنهم يستطيعون حتى وهم يضحكون أن يقولوا: «لقد بعتُ أمّي»؛ وجماهير لم تعد تقرأ، بل تكتفي بالنظر إلى شاشات التلفاز وعناوين الصحف وواجهات المحال، وقد تقلّص مخزونها اللغوي إلى ثلاثمئة كلمة… لقد أصبح التحدّث في أمور تتجاوز الفساد السياسي وضيق المعيشة، وإعمال الفكر، وبذل الجهد الذهني، ضربًا من الترف في تركيا. أما الحديث عن الفن، والشعر، والحكاية، والأسطورة، والدراما، والمسرح؛ وعن موسيقى غير الأرابيسك والبوب؛ وعن الخطّ والرسم على الماء، والتاريخ المحلي، والطبيعة—فقد غدا أمرًا يتجاوز خيال «الناس العاديين».
في مقابل كلّ ذلك؛ مراكز «كارفور» و«كابيتول» وناطحات السحاب التي يُفترض أنها تمثّل الحداثة؛ والفنادق ذات الخمس نجوم التي تخدم أناسًا من عوالم أخرى؛ وأماكن العمل «الأوروبية» والحديثة؛ وأولئك الذين يرتدون على نحوٍ مختلف، ويتحدّثون على نحوٍ مختلف، ويفكّرون على نحوٍ مختلف، ويعيشون في أماكن أخرى، ويشعرون بأشياء أخرى (ولا يشعرون بأشياء)، والذين أُقنعنا بأنهم رمز الحداثة… أولئك الذين لا نرى وجوههم إلا على شاشات التلفاز وأغلفة المجلات، ونحتضنهم مهما فعلوا، ولا نملك أيّ فكرة عن طبيعة «الفن» الذي ينتجونه ومستواه —وإن كانت لدينا فكرة فلا أحد يصغي إليها— المغنّون، ومؤدّو الأغاني الشعبية، والمقدّمون الذين نصغي إليهم دائمًا إمّا «للتسلية» أو «لتفريغ الهمّ»، وفي مقابلهم نحن، الذين أُقنعنا بأننا مضطرّون إلى الاستماع إلى هؤلاء ومشاهدتهم كلّ يوم… تلك السيارات الفاخرة التي نراها من خلال زجاج الحافلات الملوّث بالدخان والمتكاثف بالبخار، ونحن نحاول الوقوف فيها بصعوبة بالغة، ولا نملك تجاهها رأيًا أو موقفًا يتجاوز أن نتحسّر قائلين: «يا للعجب، لماذا لا نملك مثلها؟»؛ واليخوت، وعروض الألعاب النارية، والمطاعم الباهظة، وأولئك «ذوو الثقافة الرفيعة» (كما أُقنعنا) الذين يرتادون هذه الأماكن…
صحيح؛ كما قال ابن خلدون، إنّ التطوّر الثقافي والفنّي وثيق الصلة بمستوى الرفاه المادي. لكننا لا نتحدّث هنا عن الفن بوصفه حقلًا علميًّا. إنّ ما ينبغي أن ننصرف إلى التفكير فيه حقًّا هو: تلك الرهافة الجمالية، واللباقة، والنبل، واللطافة في الحياة اليومية، التي أخذت تتلاشى وتُهمَّش شيئًا فشيئًا، وتُزاح إلى الزوايا تحت ضغط لوحات الإعلانات، والأخبار المثيرة، والشعارات.
ويكاد المرء يسأل: لماذا؟ أهناك حقًّا هذه الهوّة السحيقة بين «الثقافة الرفيعة» وثقافة الناس؟ أولئك الذين أنجزوا أبرز آثار تاريخنا؛ من خانات القوافل، ومساجد، ونوافير، وحدائق تشرح الصدر، وساحات داخلية، وبيوت الطيور، ومنازل ذات شرفات بارزة؛ ومن سجاد نُسجت كلّ عقدة فيه بجهد العين وعرق الروح؛ ومن ملاعق خشبية، وأحذية تقليدية، وقفاطين، ومطرّزات يدوية، ومجوهرات، ومهماز، نضعها اليوم خلف واجهات زجاجية في المتاحف لأننا لم نعد قادرين على إنتاج مثلها؛ ومن شواهد قبور تمنحنا السكينة والحزن معًا، لكنها منقوشة كلّها بعناية فائقة، ومن خزف ومنمنمات—إلى أيّ حدّ كانوا بعيدين عن «عاديتنا» الحديثة؟ منذ ذلك التمييز بين الفنّ والحِرفة الذي أقمناه لنُخضع تقاليدنا لقوالب الفن الغربي —وهو تمييز لا يستند إلى أيّ مشروعية تاريخية أو فلسفية— ونحن نحاول تفسير ما عشناه من انحطاط ثقافي وجمالي من خلال ثنائية الثقافة الرفيعة والثقافة الشعبية. ونلجأ أحيانًا إلى تفسير ذلك بالإحالة إلى اغتراب الفن (أو الفنان): إذ لكي يتمكّن الفنان من تحويل موهبته الخلّاقة إلى عمل فنّي ملموس، لا بدّ له من أن يغترب «إلى حدّ ما» عن المجتمع الذي يعيش فيه، وعن التاريخ، واللغة، والثقافة.
لكن التحوّل الذي تعيشه تركيا يجري في أعماق لا يمكن تفسيرها بمثل هذه الافتراضات. فأولئك الذين أنتجوا المجال الثقافي ونمط الإحساس الجمالي الذي ننظر إليه اليوم بإعجاب، ونفخر به أحيانًا، وربما نتنهّد إزاءه، كانوا هم أيضًا «أناسًا عاديين». لقد عاشوا صعوبات عصرهم: شهدوا الغزوات، وحملوا البنادق وذهبوا إلى الجبهات؛ وواجهوا العدو، وقطاع الطرق، والمرض، والبرد. تصارعوا مع الملتزمين المكلّفين بجمع الضرائب؛ وأنجبوا أبناءهم في الحقول والبساتين من دون قابلات ولا أطباء؛ وعاشوا في بيوت بلا كهرباء، ولا ماء، ولا تدفئة، ولا تلفاز؛ ووقفوا عاجزين منهكين أمام الأوبئة، وغالبًا ما قضوا نحبهم… أفلا يجدر بنا أن نتساءل: أهي «الأيام العصيبة» والمشاق التي نعيشها اليوم أشدّ وطأة، وأكثر استعصاءً، وأقلّ قابليةً للعلاج من تلك التي عاشتها مجتمعات أخرى في أزمنة مختلفة، أو تعيشها اليوم مجتمعات أخرى في أنحاء العالم؟
ومع ذلك كلّه، فقد أُورثنا نسيج ثقافي يتّسم برهافة جمالية، يتخلّله عمل اليد، ونور العين، والمحبة والرحمة، والتسامح والمودّة. وهذا الإرث الذي نستهلكه أمام شاشات التلفاز لا يكتسب قيمته لمجرّد أنه يخصّنا. إنّ هذا الانكماش الثقافي والذهني، الذي هو حصيلة حداثة مشوّهة، وتغرّب بلا حداثة، وانحطاط بلا تغرّب، قد جعل حاضرنا، وشوارعنا، وبيوتنا، وأماكن عملنا، ومدارسنا، ومستشفياتنا، ومؤسساتنا الرسمية، وحافلاتنا، ومتنزّهاتنا، غير صالحة للعيش. ونحن لا نعي ما الذي فقدناه، ولا حجم الثمن الذي دفعناه، باسم الحفاظ على الوضع القائم وصون الاستقرار. وعلى الرغم من كلّ ادّعاءاتنا بالفخر والنبل، فإننا اليوم لا نملك لا يونس أمره، ولا مولانا، ولا أحمد يسوي، ولا بير سلطان، ولا الشيخ بدر الدين، ولا كوروغلو، ولا آق شمس الدين، ولا معمار سنان؛ كما لا نملك جهدًا ذهنيًا وروحيًا قادرًا على تقديرهم، وفهمهم، وربما حملهم إلى حاضرنا، بما يتجاوز حدود الحنين التاريخي والرومانسية.
لقد فتح نسيجنا الثقافي المُبتذَل الباب، باسم الشعبوية، أمام أكثر أشكالها ابتذالًا وقبحًا. سواء أكنت تمارس الفن أم التجارة، فقد أصبح «السوق» هو المعيار الوحيد الذي يحدّد سلّم قيمنا. وأنماط العلاقات، وحملات التشويه، والهجمات، ومشاعر الكراهية والعداوة التي تكاد تتفوّق على مقولة هوبز «الإنسان ذئب الإنسان»، أصبحت من «روتيناتنا» التي لا تزعج أحدًا. نحن نردّ على مشكلة بطالة تتجاوز العشرين في المئة، وعلى هجرة العقول، وعلى الحالة النفسية المضطربة لإنساننا الذي أُقنع بأنه ليس «ذا شأن» فصار أسيرًا لـ«الحلم الأمريكي»، بقرار إداري يقضي بمنع ارتداء الأحذية المطاطية السوداء في المدارس. نجعل من الأزمة الاقتصادية ذريعة لكل قبح، ولكل خلل، ولكل إفراط، ولكل كسل، ولكل لا مبالاة؛ وهكذا نفقد، مع كل صباح نستيقظ فيه — فضلًا عن غيرنا — شيئًا من احترامنا لذواتنا. نقول: «لن يخرج منا شيء»، ونظن أن كل ما هو أفضل موجود في أوروبا، فنقع في الشراك التي نصبناها لأنفسنا عشرات، بل مئات المرات. نهوّن من كل سقوط لنا بقولنا: «هناك كثيرون يسقطون مثلنا»، ونتسامح معه بكبرياء زائف. وكما يجد مجرم وضيع الطمأنينة بين أمثاله في السجن، نعتقد أن الجميع يفعل ذلك، ولذلك فإن انحرافنا قليلًا، وازدياد فظاظتنا، وخروجنا عن الطريق أمر «طبيعي». نحن لا نكتفي بالتفكير في ذلك؛ بل نمارسه كل يوم.
وبذهنيةٍ تحتقر ثقافات جغرافيتها «المتخلّفة»، وتسير منحنية أمام «العالم المتقدّم»، نمضي قدمًا بلا وجهة ولا هدف. لم نفهم الغرب الذي نقلّده، ولم نستطع التخلّص من عبارات من قبيل: «جئنا لنموت، ستذهب حتى النهاية يا أخي». وبفضل هذا التغريب الذي أُقنعنا بأنه يمثّل العقل، والعقلانية، والتقدّم، والعلم، والمعاصرة، والتسامح، والتحضّر، شيدنا حول أنفسنا جدرانًا فكرية وسياسية لا تقلّ وطأةً عن محاكم التفتيش في العصور الوسطى. إن تاريخنا القريب مليء بمئات الأمثلة التي يمكن أن تلقّن الرئيس الأمريكي بوش، القائل: «إما أن تكونوا معنا أو مع العدو»، درسًا في التاريخ، وتُسكن —على الأرجح— شيئًا من قلقه. وبينما نسفك دماء بعضنا بعضًا تحت تصنيفات من قبيل: يميني–يساري، علوي–سني، إسلامي–علماني، تقدّمي–رجعي، دولتي–فوضوي، تركي–كردي، فنربخشي–غلطة سراي، مُسلمجي–أورهانجي؛ يصعب فهم بأي قدر من الغضب، والكراهية، والعداء، والضغينة كنّا نتحرّك، وما زلنا نتحرّك. إلى أين سيتجه من الآن فصاعدًا إنسان الأناضول، الذي يتناقض مع نفسه إلى هذا الحد، والذي يحمل خلف الأقنعة التي يرتديها —والتي أُجبر على ارتدائها— هوياتٍ مغايرة تمامًا؛ والذي، من جهة أخرى، يعطي دائمًا، ويرى في المطالبة بحقّه إخلالًا بالنظام؟ أيّ مغامرة مأساوية، معروفة العاقبة، سيلتحق بها؟ متى سيتمكّن من النظر إلى نفسه في المرآة، واستنباط معنى من تلك الصورة من دون خجل، ولا حرج، ولا تردّد، ليبتسم لأطفاله؟ ومتى سيتمكّن من رفع صوته في وجه الظلم من غير خوف، ولا ترهيب، ولا قمع، ولا وصم؟
صحيحٌ أن أمام تركيا مشكلاتٍ سياسيةً واقتصاديةً واجتماعيةً عميقة الجذور. وصحيحٌ أيضًا أن هذه المشكلات مرتبطة بالصورة الموصوفة أعلاه. غير أنّ العادات، والمسلمات، والافتراضات، والميول التي تجعل تجاوز هذه المشكلات أمرًا متعذّرًا، إنما هي مشكلات أنتجناها نحن في عوالمنا الذهنية، وفي عالمنا الأخلاقي والروحي الذي أخذ يفتقر، ثم نقلناها إلى المجال العام. في اليوم الذي نكفّ فيه عن البحث عن الخطأ في الآخرين، وننظر إلى أنفسنا في المرآة بشجاعة وصدق، سنرى أن معظم هذه المشكلات يمكن تجاوزها. ولا حاجة لذلك إلى انتظار الانتخابات، أو قرارات الحكومة الجديدة، أو انخفاض التضخم، أو تدفّق المساعدات الخارجية، أو امتلاء احتياطياتنا من العملات الأجنبية، أو انضمامنا إلى الاتحاد الأوروبي. إنّ تلك الأيام الجميلة التي يشتاق إليها كل شاب من الأناضول، وأمّه، ومعلّمه، ورجل الأعمال، والعامل، والطالب، والموظف، وساعي البريد، والمحافظ، والجندي، والضابط، والمستشار، والوزير، والمصلّح، وبائع السميت؛ والتي يتنهّد لها، وربما يحتفظ بها في داخله أملًا لا يُظهره لأحد—لن تخرج من كونها حلمًا وحنينًا إلا حين ننتفض من سبات الخمول الذي وقعنا فيه، وننهض، ونخطو الخطوة الأولى.
المصدر: مجلة YARIN، ديسمبر 2002
