تبدو زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى كلٍّ من الرياض والقاهرة، والتي استغرقت يومين، للوهلة الأولى وكأنها جولة دبلوماسية تقليدية تهدف إلى تعزيز العلاقات الثنائية وبحث ملفات التعاون السياسي والاقتصادي. غير أنّ التوقف عند هذا المستوى من القراءة يظلّ قاصراً عن الإحاطة بالمعنى الحقيقي لهذه الزيارات، إذ إن دلالتها الأعمق لا تكمن في مضمون البيانات الرسمية أو جدول اللقاءات فحسب، بل في توقيتها، وتسلسل محطّاتها، وطبيعة اللغة السياسية التي تم اعتمادها خلالها.
فالتحركات الدبلوماسية، خصوصاً في الفترات التي تشهد تحولات إقليمية حادة، لا تُقاس فقط بما يُعلن، بل بما يُراد إيصاله بشكل غير مباشر. وفي هذا السياق، تأتي زيارة الرياض أولاً ثم القاهرة لتكشف عن مقاربة تركية مدروسة، تسعى إلى التأثير في البيئة الإقليمية الأوسع، لا إلى الاكتفاء بإدارة علاقات ثنائية منفصلة.
جاءت هذه الزيارة في لحظة إقليمية دقيقة، تتعرّض فيها موازين القوى في الشرق الأوسط لإعادة تشكيل، ويتراجع فيها الاستقرار النسبي الذي حكم المنطقة خلال السنوات الماضية. فالحديث المتزايد عن احتمالات التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، وعودة الخيار العسكري إلى واجهة النقاش، يضع دول المنطقة أمام مخاطر حقيقية تتمثل في تحوّل الأزمات المحدودة إلى مواجهات واسعة النطاق. وفي ظل هذا المناخ الملبّد، اختارت تركيا أن تتحرّك بهدوء، واضعة في مقدمة أولوياتها تجنّب الانخراط في أي اصطفاف حاد أو مواجهة مفتوحة.
ولا يمكن فصل هذا التحرك عن حقيقة أنّ الزيارة لم تكن ردّ فعل آنيّاً على تطور طارئ، بل جاءت نتيجة تخطيط مسبق سبق ذروة التوتر الإقليمي. ففي وقت كانت فيه بعض الأطراف تراقب المشهد بانتظار ما ستؤول إليه التطورات، فضّلت أنقرة انتهاج سياسة المبادرة، والعمل على تحصين الإقليم من تداعيات أي تصعيد محتمل. ومن هنا، لم يكن الهدف التركي معالجة جوهر الخلاف بين واشنطن وطهران، بل منع انتقال هذا الخلاف إلى دول المنطقة وتحويله إلى صراع إقليمي شامل.
في مثل هذه الفترات، حيث تتسارع التحولات وتزداد الضبابية، تصبح البيئة الدولية أكثر عرضة لسوء التقدير. فالدول تميل إلى تفسير تحركات الآخرين وفق أسوأ الاحتمالات، ما يرفع منسوب القلق ويضاعف مخاطر الانزلاق غير المقصود نحو التصعيد. وفي هذا الإطار، يمكن فهم الدبلوماسية التي انتهجتها تركيا تجاه الرياض والقاهرة بوصفها محاولة واعية لإدارة التوتر، لا لإنهائه بالكامل، بل لإبقائه ضمن حدود يمكن السيطرة عليها. فالغاية لم تكن إزالة الغموض، بل منع تحوّله إلى ذريعة للتصعيد.
كما أنّ الدور الذي تضطلع به تركيا في هذا المشهد يختلف بوضوح عن أدوار الوساطة التقليدية. فهي لا تطرح نفسها طرفاً يسعى إلى جمع الولايات المتحدة وإيران على طاولة تفاوض، بقدر ما تعمل على منع انجرار دول المنطقة إلى ردود فعل تلقائية قد تضعها في قلب المواجهة. ومن خلال هذا النهج، تسعى أنقرة إلى لعب دور عامل التوازن، الذي يحدّ من انتشار الصراع، بدلاً من أن يكون جزءاً من ديناميكيته.
ويكتسب اختيار الرياض والقاهرة دلالة خاصة في هذا السياق. فالسعودية ومصر لا تمثلان فقط دولتين محوريتين في الإقليم، بل تشكّلان أيضاً مركزين للثقل السياسي والرمزي في العالمين العربي والإسلامي. فالتواصل مع الرياض، بما لها من ثقل في الخليج والعالم الإسلامي، ومع القاهرة، باعتبارها ركيزة أساسية في النظام العربي، يعكس سعياً إلى بناء تفاهم غير معلن يهدف إلى الحفاظ على قدر من الانسجام الإقليمي في مواجهة احتمالات الاستقطاب. ولا يرقى هذا التفاهم إلى مستوى تحالف رسمي، لكنه يمثّل شكلاً من أشكال التنسيق الحذر الذي يهدف إلى تجنّب الانزلاق الجماعي نحو المواجهة.
ومن اللافت في هذا الإطار، الغياب شبه الكامل للغة التصعيد أو التصريحات الحادّة خلال هذه الزيارات. فهذا الغياب لم يكن مؤشراً على ضعف في الموقف، بل كان خياراً دبلوماسياً مقصوداً. ففي أوقات التوتر، كثيراً ما تؤدي التصريحات العلنية الصاخبة إلى تضييق هامش المناورة ودفع الأطراف الأخرى إلى التشدد. في المقابل، تسمح الرسائل الضمنية والإشارات الهادئة بتوجيه السلوك دون استفزاز أو إحراج. ومن هنا، يمكن القول إن الرسائل الأساسية لزيارة الرياض والقاهرة لم تُنقل عبر الكلمات، بل عبر الفعل الدبلوماسي نفسه وتوقيته.
وفي المحصلة، لا يمكن اختزال هذه الزيارة في كونها استجابة ظرفية لأزمة عابرة. فهي تعبّر عن خيار استراتيجي تتبنّاه تركيا، يقوم على دعم التوازن الإقليمي، والحدّ من التصعيد، والحفاظ على مساحة من الاستقرار في بيئة تتسم بعدم اليقين. كما أنّ انخراط السعودية ومصر في هذا المسار يشير إلى أنّ دول المنطقة، رغم اختلاف مصالحها وتحدياتها، لا تزال ترى في تجنّب الحرب الشاملة مصلحة مشتركة.
ومن هذا المنطلق، تحمل زيارة الرياض والقاهرة دلالة تتجاوز لحظة حدوثها، لتقدّم نموذجاً لكيفية إدارة الأزمات الإقليمية في مرحلة تتآكل فيها الضمانات التقليدية ويزداد فيها الاعتماد على الحسابات الواقعية. إنها رسالة مفادها أن الاستقرار، في زمن التحولات الكبرى، لا يُصان عبر المواجهة المباشرة، بل عبر الدبلوماسية المتأنية، والتنسيق الهادئ، وإدارة التوازنات بحسٍّ عالٍ من المسؤولية.
