تتخذ تركيا خطوات استراتيجية من أجل السلام في الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران

أشار رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية (MIT) إبراهيم قالن، في كلمته التي ألقاها خلال «قمة الاتصال الاستراتيجي الدولية» (STRATCOM) التي نظمتها رئاسة الاتصالات التابعة للرئاسة، إلى أن إسرائيل تتخذ خطوات تهدف إلى تخريب مبادرات التفاوض، مؤكداً أن تركيا تواصل جهودها الدبلوماسية من أجل إنهاء الحرب ومنع انتشار الأزمة الإقليمية.
image_print

رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية قالن: تتصرف تركيا باستراتيجية ويقظة وحزم في مواجهة الحرب التي شنتها إسرائيل

قال رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية (MIT) إبراهيم قالن، في كلمته التي ألقاها خلال «قمة الاتصال الاستراتيجي الدولية» (STRATCOM) التي نظمتها رئاسة الاتصالات التابعة للرئاسة، إن إسرائيل اتخذت خطوات تهدف إلى تخريب مبادرات التفاوض، مؤكداً أن تركيا تواصل جهودها الدبلوماسية من أجل إنهاء الحرب ومنع انتشار الأزمة الإقليمية.

كما قدّم قالن في كلمته تقييماً للحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران، ولتوازنات الأمن الإقليمي، وللاستراتيجية التي تنتهجها تركيا، إضافة إلى مفاهيم المعرفة والحقيقة والسرد.

وفيما يلي كلمة رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية قالن التي ألقاها في القمة:

معالي الوزير، معالي الرئيس، الضيوف الكرام، الأصدقاء الأعزاء القادمون من الخارج، الحضور الكريم؛ أحييكم جميعاً بكل احترام.

في البداية، أود أن أتقدم بجزيل الشكر والتقدير إلى رئاسة الاتصالات، وإلى رئيسها السيد برهان الدين وفريقه، على تنظيمهم هذه القمة للاتصال، كما أهنئهم على ذلك. وأشكرهم على إتاحتهم لنا الفرصة، في مثل هذه المرحلة الحرجة، للاجتماع معاً، وتبادل الآراء في هذا المجال، وكذلك لبذل جهد فكري حول القضايا المهمة.

في عصر تزداد فيه أهمية الاتصال يوماً بعد يوم، أعتقد أن التفكير في العلاقات بين المعرفة والسرد والقوة سيقدم لنا إشارات مهمة حول ماذا ينبغي أن نقول، وكيف ينبغي أن نقوله.

وقبل أن أنتقل إلى الجزء النظري من كلمتي، أود أن أشارككم بإيجاز شديد بعض النقاط المتعلقة بالوضع الراهن.

منذ الجائحة، يمر عالمنا بالعديد من المنعطفات الحرجة، والأزمات، والانكسارات. وقد دخلت الحرب بين روسيا وأوكرانيا، التي بدأت في عام 2022، عامها الخامس، ولا تزال حتى الآن، للأسف، لا توجد صورة واضحة بشأن كيفية انتهائها.

ولا تزال تداعيات الحرب التي اندلعت في 7 أكتوبر 2023 في إسرائيل مع حماس مستمرة. وخلال هذه الفترة، وبينما نواصل جهودنا لإرساء السلام، لا سيما في غزة، فإن انتهاكات إسرائيل وسياسات الاحتلال والضم مستمرة دون أي انقطاع.

كما لا نزال نشعر في جميع أنحاء منطقتنا بتداعيات الثورة السورية التي وقعت في 8 ديسمبر 2024.

كانت الحرب التي استمرت 12 يوماً بين إسرائيل وإيران في يونيو من العام الماضي تحمل طابعاً كشف واختبر في الوقت ذاته الشروط الفعلية للحرب التي نعيشها اليوم. أما الآن، فنحن في خضم الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران، التي بدأت في 28 فبراير وما زالت مستمرة منذ شهر.

ولمنع هذه الحرب، وللحيلولة دون اندلاعها من الأساس، بذلنا جهوداً مكثفة للغاية بقيادة رئيس جمهوريتنا، وبمشاركة وزير خارجيتنا، ووزير دفاعنا الوطني، ونحن، ورئاسة الاتصالات، وجميع الزملاء المعنيين الآخرين.

وفي كل مرة، أكدنا أن نظاماً عالمياً قائماً على عدم القدرة على التنبؤ، والهشاشة، والاستخدام التعسفي للقوة، لن يُنتج إلا أزمات وحروباً جديدة، وبذلنا جهوداً مكثفة لمنع وقوع مثل هذه النزاعات والدمار.

واليوم، وفي خضم هذه الحرب، وخلال فترة تقارب الشهر، بذلنا جهوداً مكثفة لتحقيق هدفين: أولاً، إنهاء هذه الحرب؛ وثانياً، إبقاء تركيا خارج نطاقها. ولا تزال هذه الجهود مستمرة دون انقطاع.

وحتى الآن، نكثف جهودنا لمنع انتشار هذه الحرب في عموم المنطقة، وللحيلولة دون تحولها إلى حرب أكثر تدميراً، ولتفادي أن تُخلّف أضراراً دائمة على المستقبل.

ولكن، للأسف، فإن هذه الحرب الإقليمية التي بدأت بها إسرائيل تتجه بسرعة نحو التحول إلى أزمة عالمية، بل وإلى — على حد تعبير رئيس جمهوريتنا — «حرب يدفع ثمنها 8 مليارات إنسان»، وهو ما يوشك أن يصبح واقعاً فعلياً. وسيكون هدفنا الأساسي هو إنهاء هذه الحرب في أقرب وقت ممكن.

يجب أن أؤكد أيضاً أنه مع هذه الحرب الكبرى، أُشعلت في منطقتنا في الوقت نفسه نار فتنة عظيمة. إن أحد النتائج المحسوبة لهذه الحرب لا يقتصر على القضاء على القدرات النووية الإيرانية فحسب، بل إن الأخطر بكثير هو اتخاذ خطوات من شأنها أن تمهّد لحرب أخوية وثأر دموي قد يستمر لعقود بين المكونات التأسيسية الأصيلة للمنطقة، وهم الأتراك، والأكراد، والعرب، والفرس. وأود أن أؤكد أننا، كتركيا، سنواصل مكافحتنا لهذه المخاطر في حالة يقظة تامة حتى النهاية.

نحن، كتركيا، لم نكن يوماً طرفاً يضيف الحطب إلى نار الفتنة، ولن نكون كذلك. وإذا اقتضى الأمر، سنمسك كرة النار بأيدينا ونطفئها في صدورنا، لكننا لن نلقيها أبداً في نار الفتنة. وسنواصل أيضاً الوقوف في وجه من يسعون إلى نشر هذه الفتنة، اعتماداً على ديناميكياتنا وقيمنا وقيادتنا وأولوياتنا. ونحن نتحرك مدركين تماماً من هو الصديق ومن هو العدو.

وأود أن أؤكد مرة أخرى أننا، كتركيا، لن نحيد عن هذا النهج. ولا حاجة حتى للقول إن الحرب الموجهة ضد إيران لا تستند إلى أي أساس في القانون الدولي. لكننا نعلم جيداً أن من بدأوا هذه الحرب لا ينوون الاكتفاء بإيران، بل يسعون، عبر فرض وقائع على الأرض في لبنان وسوريا والأراضي الفلسطينية وغيرها، إلى اتباع سياسات جديدة قائمة على التدمير والضم والاحتلال. ونرى، على وجه الخصوص، أن التطورات التي شهدها لبنان في الأيام الأخيرة تمثل محاولة لخلق أمر واقع مشابه لما حدث في هضبة الجولان عام 1974، وتحويله إلى سياسة تدمير وضم واحتلال. ونحن نكثف جهودنا لمنع ذلك.

وبصفتنا تركيا، أود أن أؤكد أننا لن نسمح، لا في لبنان ولا في الأراضي الفلسطينية، بانتزاع الحقوق الأساسية للفلسطينيين عبر فرض أمر واقع، ولن نقبل بتجاهل الانتهاكات التي تجري في غزة والضفة الغربية.

ونتيجة للتطورات المتسلسلة والمتبادلة التأثير في هذه الحرب، فقد امتد الصراع اليوم إلى ما وراء إيران ليشمل منطقة الخليج بأكملها. وبالطبع، وكما أن الهجمات على إيران خطأ، فإنه ينبغي علينا أيضاً التأكيد على أن الهجمات على مناطق الخليج لا تخدم الهدف المنشود.

وفي جميع اللقاءات والمشاورات التي أجريناها مع الدول الشقيقة والصديقة في الخليج، نؤكد على ضرورة التحرك من منظور يستند إلى ديناميكيات المنطقة نفسها من أجل إنهاء هذه الحرب في أقرب وقت ممكن. وبهذه المناسبة، أترحم على جميع إخوتنا الذين فقدوا حياتهم في هذه الحرب، سواء في إيران أو في سائر أنحاء المنطقة، سائلاً الله أن يتغمدهم برحمته. وأود أن أؤكد أننا سنواصل بذل كل ما في وسعنا لمنع تكرار مثل هذه المآسي.

وبطبيعة الحال، فإن الهجمات التي شنتها إيران على دول الخليج غير مقبولة، ولكن يجب ألا ننسى أبداً من هو الفاعل الرئيسي الذي بدأ هذه الحرب. ومن أجل ذلك، ينبغي زيادة الضغط على إسرائيل، والتركيز على الطرف الذي أشعل الحرب، وبذل الجهود لمنع تحول هذه الحرب إلى حرب إقليمية وأزمة عالمية.

ونحن نبذل منذ أيام جهوداً مكثفة للغاية، بقيادة رئيس جمهوريتنا، وبمبادرات من وزير خارجيتنا ومن جانبنا، من أجل إنشاء طاولة للمفاوضات. ويُطرح علينا يومياً سؤال: «هل ستكون هناك محادثات؟ هل ستُجرى مفاوضات؟ هل ستُنشأ طاولة؟». ونحن ندعم بكل قوة مبادرة إخوتنا الباكستانيين الذين مدّوا يد العون في هذا الشأن. غير أن هذه المحادثات تحتاج إلى تهيئة أرضية مناسبة لانعقادها، وليس لدينا أدنى شك في أن إخوتنا الباكستانيين سيؤدون دوراً كفؤاً في هذا الإطار.

لكننا نرى أن إسرائيل، كما كان الحال قبل الحرب، ومنذ اندلاعها، تواصل في كل مرة تخريب أي مبادرة للتفاوض أو محاولة لفتح قنوات الحوار والتواصل، وأنها، من خلال الهجمات التي شنتها خلال اليومين الماضيين، تبذل جهداً مكثفاً لإفشال هذه المبادرات وتقويضها.

وكما ذكرت سابقاً، سنواصل بذل كل ما في وسعنا، ليلاً ونهاراً، دون انقطاع، من أجل إنهاء هذه الحرب. وبعد انتهائها، سنكون ملزمين بالعمل على إصلاح الأضرار الدائمة في المنطقة في أقرب وقت ممكن، وعلى إنشاء بنية أمنية في منطقتنا تستند إلى ديناميكياتنا الخاصة، لمنع وقوع أضرار دائمة.

وأثناء إدارتنا لهذه العملية، نستخلص، مرة أخرى، بقيادة رئيس جمهوريتنا وبالتعاون مع جميع مؤسساتنا المعنية، مجموعة من الدروس المهمة من أجل أمن بلادنا، وتموضعها الاستراتيجي، ورؤيتها الإقليمية. وعلى ضوء هذه الدروس، نعمل على تعزيز جدار أمن بلادنا، وتقوية قدرتنا على الصمود. وأرجو أن تأذنوا لي بالقول إننا قد اتخذنا بالفعل بعض الخطوات الاستراتيجية في هذا الاتجاه.

وبشأن القوة والمعرفة والسرد، وهي من أبرز محاور قمة الاتصال هذه، أود أن أشارككم، بإذنكم، بعض النقاط.

وأرى أنه من المفيد، في البداية، أن نقوم بجولة ذهنية نستكشف فيها ماهية المعرفة، وكيف تؤثر فيها القوة، وما الذي نعنيه بالسرد أو الحكاية.

لقد مضى نحو نصف قرن على إعلان ما بعد الحداثة نهاية عصر السرديات الكبرى. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، طرح المفكرون ما بعد الحداثيين فكرة أن زمن السرديات الكبرى — كالعقل، والعلم، والتنوير، والتقدم، والدين، والمجتمع — قد انتهى، وأن مسار البشرية سيستمر عبر تواريخ وعلاقات أكثر جزئية، مثل الهوية، والجنس، والهويات العرقية، والطبقات الاجتماعية.

غير أننا، عندما نظرنا إلى ما وُضع محل تلك السرديات الكبرى، مثل العقل والتنوير والعلم، وجدنا — خلافاً لادعاءات أو توقعات ما بعد الحداثيين — أن الذي هيمن على الخطاب والممارسة لم يكن سردية جديدة، بل أنماط الإنتاج الرأسمالي القائمة على الاستهلاك، وثقافة الاستعراض.

لعلّ الانتقادات التي وجّهها ما بعد الحداثة إلى الحداثة الكلاسيكية قد أسهمت إسهاماً مهماً في تليين حوافها الحادة. إذ إن المنظورات التنويرية الحداثية ذات النزعة العقلانية التي كانت تتحرك عند الأطراف قد تسببت في إحداث بعض الجروح في عالم الفكر والوجدان الإنساني، وفي الحياة الاجتماعية. ويمكن القول إنها قدّمت إسهاماً مهماً في تهذيب تلك الحواف الحادة.

غير أنّنا، عندما ننظر إلى المفاهيم التي طُرحت مع ما بعد الحداثة، نجد أنفسنا أمام حزمة جديدة من الإشكالات. إنكار الحقيقة، وتحوّل المعرفة إلى أداة، وافتراضية الواقع، وتحول الوجود إلى شيء يُثنى ويُشكَّل ويُعاد تشكيله، إلى سلعة، والنسبية الأخلاقية والمعرفية، والنسبية، وفقدان المعنى للمعرفة، وتحول السياسة إلى العدمية وفقدانها لمعناها، ومع استخدام مفاهيم مثل الواقع المفرط (الهايبرريالية) والمحاكاة (السيمولاكرا)، دخلنا مرحلة من الفوضى والاضطراب.

ولم تجعل كل هذه التطورات العالم أكثر عقلانية أو حرية أو عدلاً. بل على العكس، دخلنا عصراً مظلماً برزت فيه قوى لا عقلانية، مناهضة للحرية، وأكثر قتامة، وكأنها تؤكد صحة تنبؤات فرويد حول اللاوعي. لقد وصلنا إلى نقطة صار البعض يطلق عليها اليوم «التنوير المظلم».

وأظن أن النظر إلى قصة الشيطان يكفي لإدراك أن المعرفة وحدها لا تنفع.

فالمعرفة وحدها لا تكفي أبداً. إذ إن الشيطان، في اللحظة الأولى من الخلق، كان يعلم تماماً ما هو كل شيء. ولذلك، لا بد من إقران المعرفة بالحكم، وإضافة الحكمة إلى العلم.

ومن أكبر الأخطاء في عصرنا أن ما نسميه «عصر المعرفة» هو في الحقيقة عصر المعلومات، أي عصر المعطيات. فنحن نعيش في زمن تتكاثر فيه المعلومات، بينما تتناقص المعرفة، وتكاد الحكمة أن تختفي.

وإذا أردت أن أستعين بالتعبير الجميل لأستاذنا العزيز نابي، فإننا نمرّ بمرحلة ننتقل فيها من الجهل المعلوماتي إلى الكارثة المعلوماتية.

فنحن نواجه كل يوم كماً هائلاً من البيانات والمعلومات يُنتَج بالملايين والمليارات، دون أن يُعرف معناها أو ماهيتها أو اتجاهها، ودون أن تكون علاجاً لمشكلاتنا أو سبيلاً لحلّها؛ لنجد أنفسنا أمام تكدّس معرفي أشبه بكارثة معلوماتية.

إذ إن إنتاج المعطيات أو المعلومات وحده لا يكفي لبلوغ الإنسان غايته. فالمعرفة وحدها لا تكفي، ومجرد العلم لا يكفي، بل لا بد أيضاً من امتلاك الحكمة.

وكلمة «الحِكمة» — التي دخلت أيضاً إلى لغتنا التركية — تنحدر من الجذر نفسه الذي تنحدر منه مفاهيم الحكم والمُحاكمة. وهي تعني المعرفة التي تقوم على أصل راسخ، وأرضية صلبة، وأساس متين. فالحكم الذي لا يستند إلى أساس قوي، والاجتهاد أو التقييم الذي لا يقوم على معرفة راسخة، يقود الإنسان إلى طرق مسدودة في أفعاله. ولذلك، ينبغي أن تكون المعرفة، وكذلك طريقة معالجتها، أي عمليات الاستدلال، قوية ومتينة.

وعندما ننظر إلى مفهوم الحقيقة في هذا السياق، نجد أن الحقيقة هي التصور الذي يعبّر لنا عن ماهية الأشياء اعتماداً على معرفة صحيحة. والحقيقة هي المعرفة التي تنقل لنا ماهية الأشياء كما هي. وكل تعبير لا يستوفي هذا المعيار هو مجرد ادعاء أو أطروحة أو قول يحتاج إلى إثبات. وعندما يتحول هذا التعبير إلى تصور منسجم مع حقيقة الأشياء، عندئذٍ تتحول تلك المعرفة إلى حقيقة. وبما أننا لا نستطيع تصور معرفة منفصلة عن حقيقة الأشياء، فإن العلاقة بين الحقيقة والوجود هي علاقة وثيقة للغاية.

غير أننا، في النقطة التي أوصلتنا إليها مسارات الحداثة وما بعد الحداثة، قد قطعنا الصلة بين المعرفة والحقيقة، وبين الحقيقة والوجود. فنحن نعيش اليوم في عصر نُؤدْوِن فيه المعرفة، ونُخضع الحقيقة لأهوائنا، ونظن أننا نبني الوجود ونعيد تشكيله وفق تصرفاتنا الخاصة. ونتيجة لذلك، لم نعد قادرين على إقامة العلاقة بين المعرفة والوجود، ولا بين الحقيقة والمعرفة. ولهذا نجد صعوبة في إدراك أن ما نتداوله أو نتحدث عنه بوصفه معرفة ليس في الحقيقة سوى عمليات ذهنية تجري في عقولنا.

ومع ذلك، إذا أردنا أن نفكر في معنى المعرفة، وماهية الحقيقة، ودلالة الوجود، فعلينا أن نضع هذه المفاهيم في مواضعها الصحيحة، وأن نُقِيم كل واحد منها في مكانه اللائق.

فإذا كانت الحقيقة تعبّر عن المعرفة التي تعكس البنية الذاتية للأشياء، فلا بد إذن أن يكون لدينا تصور عن ماهية وجود الأشياء.

ذلك أن الفرضية التي طرحها مفكرون مسلمون مثل الملا صدرا ترى أن المعرفة هي إحدى حالات الوجود. فإذا تصورنا المعرفة منفصلة عن الوجود، حوّلناها في أذهاننا إلى أداة مفاهيمية مجردة.

غير أن الواقع الذي تقابله المعرفة ليس مجرداً، بل هو واقع ملموس. أما طريقة التعبير عنه فهي تعميمٌ وتجريد، لكنها في جوهرها تستند إلى حقيقة.

إن اختزال تصورنا للوجود إلى سلعة يرتبط ارتباطاً مباشراً برغبة الحداثة في إخضاع كل شيء للسيطرة.

والمحصلة التي أوصلنا إليها العالم الحديث، هي تصور للوجود تفرضه علينا فرط الحداثة، قوامه «الوجود القابل للسيطرة». ولأجل السيطرة، يُتوقع منك أن تحوّل كل شيء إلى كميات قابلة للحساب والقياس. وما لا تستطيع إخضاعه لهذا التحويل، يفقد بالنسبة إليك صفة الوجود. أي أنك تهيمن على الوجود بقدر ما تستطيع التحكم فيه. ومن ثم، أصبح هدف المعرفة يتجه تدريجياً نحو السيطرة.

في هذا السياق، يتعين علينا أن نعيد التمسك بمفهوم الحقيقة، وأن نعيد إرساء المعرفة على أساس سليم، وأن نعيد صياغة تصورنا للوجود ضمن إطار صحيح. وعلى وجه الخصوص، سنواصل الدفاع عن الحقيقة في مواجهة نزعات ما بعد الحداثة المناهضة للواقعية التي تنكر الحقيقة والواقع، وكذلك في مواجهة النزعات المعاصرة التي تُوصف بـ«ما بعد الحقيقة» (Post-Truth).

وسنواصل الدفاع عن عقلٍ مستنيرٍ يقف على أرضية راسخة في مواجهة اللاعقلانية، وعن الحرية في مواجهة الاستعباد، وعن الإنسان في مواجهة الميكنة، وعن التنوير العميق في مواجهة «التنوير المظلم».

وسنصرّ على أن هذه القيم ليست نسبية، ولا اعتباطية، ولا خارج السياق، ولا طبقية، ولا سياسية، بل هي قيم مطلقة وملزمة وعالمية.

وكما نرفض تأليه الإنسان، سنواصل بالقدر نفسه رفض تحويل الإنسان إلى آلة أو إلى كائن مُؤَتمت.

وإذ نتذكر أن المعرفة هي عملية بناء واكتشاف، سنسعى إلى إعادة بناء قداستها. ذلك أننا عندما نعرّف المعرفة لا بوصفها مجرد قيمة أداتية، بل باعتبارها تعبيراً عن الحقيقة والوجود، فإنها تتحول إلى قيمة تُنشئنا وتُشكّل كياننا.

لقد سعى الغرب، منذ عصر التنوير، إلى تعريف المعرفة استناداً إلى قوة العقل، لكنه وقع نتيجة لذلك في عدد من الطرق المسدودة.

أما في تقاليد الفكر الإسلامي، فقد تم تأسيس المعرفة على الوجود. وعندما تُقطع هذه الصلة بين المعرفة والوجود، يصبح تحوّل المعرفة إلى أداة أمراً لا مفر منه.

وأود أخيراً أن أتطرق بإيجاز شديد إلى مسألة السرد، أي مسألة الحكي.

ذلك أن الاتصال لا يقتصر على نقل المعلومات والرسائل فحسب، بل هو أيضاً جهدٌ لبناء المعنى، ومحاولة لمنح اتجاه ومسار. فالرسائل الإلهية، وكل كتاب مقدس وصلنا على هيئة وحي، هي رسائل، وهي أسلوب من أساليب الاتصال الإلهي. غير أن معناها وغايتها النهائية تتمثل في بناء المعنى، وتقديم توجيهات تتعلق بحياتنا.

ولا شك أن الهدف الأساسي من تواصل الإنسان هو بناء المعنى وتحديد الاتجاه، أي تقديم إجابة صحيحة عن سؤال: ماذا يفعل؟ ولماذا يفعل؟ ومن ثم، فإن الاتصال هو في الوقت نفسه جهد لبناء المعنى، ورسم مسار، وإيجاد اتجاه لأنفسنا.

ولسنوات طويلة، كان من أبرز مشكلات العالم الإسلامي، بما في ذلك تركيا، أنه لم يكن واعياً بقصته الخاصة، ولم يكن قادراً على التفكير بمنظومته المفاهيمية الخاصة، ولا على التعبير بلغته الخاصة.

فالشيء الذي لا تُسمّيه لا يكون لك. والقصة التي لا تمنحها اسماً ليست قصتك. وحتى عندما تستخدم كلماتك الخاصة ضمن قواعد الآخرين، فإنك لا تستخدم لغتك الحقيقية.

بل إنك تُرهق كلماتك داخل كونٍ لغويّ آخر، عبر بنية تركيبية ليست لك.

في حين أنه يتعين عليك أن تبني في الوقت نفسه بنيتك النحوية الخاصة، ومعرفتك اللغوية، ودلالاتك.

ومحاولة حشر الكلمات داخل تلك البنية لن تمنحك تعبيراً أفضل، ولا أكثر أصالة، ولا أكثر واقعية.

أما الشيء الذي لا تُروى قصته، فلا يتجاوز كونه مجرد واقعة. فالأحداث التي تقع لا تتحول إلى سرديات دائمة إلا حين تُصاغ في قالب قصصي. ولذلك، فإن ما يُعرف في تراثنا بـ«فنّ التحكِيَة»، أي فن رواية القصص، يحظى بقيمة كبيرة.

وكذلك فإن سرد القصص في الكتب المقدسة، وسرد قصص الأنبياء في تقاليدنا، وكذلك حكايات «ألف ليلة وليلة» وعشرات القصص الأخرى في تراثنا، إنما يهدف أساساً إلى تقديم حكايات تُنير رحلة الإنسان في هذه الدنيا وتكون بمثابة مرآة له.

وهذا هو أيضاً السبب الذي جعل «المثنوي» يبني بنيته الخاصة على القصص. فَرواية القصص ليست عملاً عادياً.

وإذا أردت أن أعبّر بلغة دارجة، فإن رواية القصص ليست أمراً بسيطاً.

إن رواية القصص عمل جاد. فإذا كانت لديك قصة، وإذا كان لديك ما تقوله، فهذا يعني أن لديك سرداً.

وعند بناء لغة هذا السرد، وعند رواية قصتك الخاصة، فإن المنظومة المفاهيمية التي تتخذها مرجعاً لنفسك تُعدّ ذات أهمية بالغة.

ولهذا، يتعيّن علينا أن نعيد اكتشاف وبناء منظومتنا المفاهيمية الخاصة، وعالمنا اللغوي الخاص، لكي نروي قصتنا. وأود أن أؤكد أن ذلك لا يكون إلا من خلال التعريف الصحيح للمعرفة، والتوصيف الصحيح للحقيقة، وبناء السرد على أسس سليمة.

وفي هذه المرحلة تحديداً، سنواصل حماية عقولنا وقلوبنا وتحريرها، في مواجهة كل هجمات «التنوير المظلم»، ونماذج الاستهلاك الرأسمالي، وكل انحرافات ثقافة الاستعراض، وعلى الرغم منها.

وسنعمل على بناء سرد جديد ومستقبل جديد لأنفسنا، من خلال إبراز الاجتهاد في مواجهة الجمود، والإصلاح في مواجهة الفساد، والتجديد في مواجهة التوقف، والتوحيد في مواجهة التشتت، والتقاليد التجديدية في مواجهة الجمود، والقيم الثورية في مواجهة الخمول.

وسنظل في حالة يقظة دائمة في مواجهة محاولات صناعة الأعداء، وسنُفشل مخططاتهم.

ونحن، كتركيا، سنمضي في طريقنا دون أن نفصل المعرفة عن الحقيقة، ولا الحقيقة عن الوجود، ولا القوة عن الحق والعدالة، ولا القصة والسرد عن المعنى والاتجاه.

وسيكون جهدنا الأساسي هو أن نروي قصتنا بلغة عالمية، مع إدراكنا وفهمنا أن قصتنا ليست قصة هذه الجماعة أو تلك الفئة أو تلك المنطقة أو تلك المدينة فحسب، بل هي قصة جغرافيتنا بأكملها، بل قصة الإنسانية جمعاء، وسنشاركها مع كل من لديه قلب يعقل، وعقل يفكر، وأذن تصغي.

ولهذا، سنبني قصتنا، ونرويها، ونشاركها، حتى تغتني قصتنا بقصص الآخرين.

شكراً لكم جميعاً.

 

Prof. Dr. İbrahim Kalın

البروفيسور إبراهيم قالن:
وُلد في إسطنبول عام 1971. تخرج من قسم التاريخ بجامعة إسطنبول. وأكمل دراسته للماجستير في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا عام 1994. حصل على درجة الدكتوراه من جامعة جورج واشنطن عام 2002، ونال لقب البروفيسور من جامعة ابن خلدون عام 2020. ألقى محاضرات في عدة جامعات أبرزها جورجتاون، وبيلكنت، وابن خلدون. كما شغل عضوية مجالس الأمناء في جامعة أحمد يسوي الدولية التركية - الكازاخية والجامعة التركية - اليابانية للعلوم والتكنولوجيا. وفي عام 2005، أسس مركز سيتا (وقف البحوث السياسية والاقتصادية والاجتماعية) وتولى رئاستها. ألّف العديد من الأوراق البحثية المنشورة في المجلات الأكاديمية الدولية والمقالات والكتب، والتي تُرجمت إلى لغات عديدة أبرزها الإنجليزية والعربية. كما قدّم بحوثًا في العديد من المؤتمرات والندوات وشارك في ورش العمل، وأثرى المكتبات بمؤلفات جديدة في مجالات عدة، مثل السياسة الخارجية التركية، والفلسفة، والتاريخ.
واعتبارا من عام 2009، شغل عدة مناصب رسمية، منها: مستشار رئيس الوزراء لشؤون السياسة الخارجية، ومنسق الدبلوماسية العامة (التي كان أحد مؤسسيها)، ونائب مستشار رئاسة الوزراء للعلاقات الخارجية والدبلوماسية العامة، ونائب السكرتير العام لرئاسة الجمهورية للشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية، ووكيل رئيس مجلس الأمن والسياسات الخارجية التابع لرئاسة الجمهورية، وكبير مستشاري رئاسة الجمهورية لشؤون الأمن والسياسات الخارجية. وإلى جانب مهامه البيروقراطية، شغل منصب المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية بلقب سفير بعد تعيينه عام 2014، واستمر في هذا المنصب حتى تعيينه رئيسًا لجهاز الاستخبارات الوطنية. في يونيو 2023، أصبح إبراهيم قالن رئيسا لجهاز الاستخبارات الوطنية. وهو يتقن اللغات الإنجليزية والعربية والفارسية والفرنسية.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.