المفاوضات النهائية في سوريا: رسالة قوية من قاسيون

لم تكن زيارة يوم الاثنين إلى دمشق مجرد محطة أخرى في الجدول الدبلوماسي؛ بل كانت رسالة جيوسياسية واضحة إلى الميدان والجهات الفاعلة، ولا سيما إسرائيل.
25/12/2025
image_print

لم تكن زيارة يوم الاثنين إلى دمشق مجرد محطة أخرى في جدول الأعمال الدبلوماسي؛ بل كانت رسالة جيوسياسية واضحة إلى الميدان والجهات الفاعلة، وخاصة إسرائيل. من خلال إرسال الرئيس رجب طيب أردوغان ووزير الدفاع يشار غولر ووزير الخارجية هاكان فيدان ورئيس جهاز الاستخبارات الوطنية إبراهيم كالين إلى دمشق في الوقت نفسه، أعلن أن ملف سوريا لم يعد مجالاً مفتوحاً للتدخلات غير المنضبطة، وهندسة القوة التي تشكلها الضربات الجوية الأحادية الجانب والتحركات الخارجية التي تزعزع استقرار المنطقة. لم تكن هذه الزيارة مجرد إقامة اتصال مع دمشق؛ بل كانت تحذيراً واضحاً لكل طرف يخل بالتوازن في سوريا، ولا سيما إسرائيل، التي حاولت في الأشهر الأخيرة تحقيق نتائج سياسية من خلال الضغط العسكري.

وقد أظهر تعيين نائب وزير الخارجية نوح يلماز سفيراً في دمشق أن هذا الاتصال لم يكن مجرد لفتة دبلوماسية مؤقتة، بل بداية لمشاركة سياسية مؤسسية طويلة الأمد. لم يكن النظر إلى دمشق من تلة قاسيون مجرد موقف رمزي؛ بل كان تعبيراً صامتاً لكنه قوياً عن رسالة مفادها أن ”دمشق ليست بلا مالك“، مما يتعارض مع ادعاء التفوق النفسي الذي تم ترسيخه من خلال الضربات الجوية على العاصمة. وقد كانت زيارة رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية التركية إبراهيم كالين إلى ضريح فارابي، إلى جانب الرسائل العسكرية والاستخباراتية، بمثابة تذكير بأن الجغرافيا السورية ليست منطقة أمنية قابلة للتجزئة، بل حوض يتمتع باستمرارية تاريخية وحضارية. وبهذه الزيارة، دخلت تركيا الميدان ليس فقط بالقوة، بل أيضاً بالمعنى والذاكرة والإرادة السياسية.

كان في صميم هذه الزيارة أيضاً تفاقم الجمود بين إدارة دمشق وقوات سوريا الديمقراطية. كشفت التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية هاكان فيدان في المؤتمر الصحفي المشترك مع نظيره السوري جوهر القضية. أصبح من الحقائق التي لا يمكن إنكارها أن قوات سوريا الديمقراطية لا تنوي إحراز تقدم في محادثات الاندماج التي تجريها مع دمشق. والأهم من ذلك، أن تنسيق قوات سوريا الديمقراطية لبعض أنشطتها مع إسرائيل أصبح أكبر عائق أمام المفاوضات الجارية مع دمشق. وقد أظهر تأكيد فيدان على أن ”استقرار سوريا هو استقرار تركيا“ بوضوح أن هذه القضية ليست مجرد قضية سياسة خارجية بالنسبة لأنقرة، بل هي قضية أمنية مباشرة.

وراء الجمود على الأرض تكمن تغيرات في ميزان القوى. فقد أدى تزايد الغارات الجوية الإسرائيلية على سوريا منذ الصيف إلى إضعاف الردع العسكري لدمشق بشكل خطير. لم يكن تقدم الجيش السوري في السويداء، الذي أعقبه انسحابه القسري بعد استهداف القصر الرئاسي ووزارة الدفاع، مجرد نكسة عسكرية، بل كان أيضاً ضربة نفسية لجميع الأطراف الفاعلة في المنطقة. وقد شجع هذا السيناريو قوات سوريا الديمقراطية. وقد أدى الاعتقاد بأن التهديد العسكري من دمشق لم يعد قوياً كما كان من قبل إلى تغيير جذري في موقف قوات سوريا الديمقراطية على طاولة المفاوضات.

وقد تجلى هذا التغيير بوضوح في المطالب. فقد حلت محل المناقشات التي كانت تدور في السابق حول موضوعات محدودة مثل نموذج الحكم المحلي في المناطق التي تضم أعداداً كبيرة من السكان الأكراد، ودمج العناصر المسلحة في الجيش، ومستقبل الهيكل الأمني، مناقشات مختلفة تماماً. فبدلاً من مناقشة وضع مناطقهم، جلس قوات سوريا الديمقراطية الآن إلى طاولة المفاوضات مدعية أنها ستشكل مستقبل سوريا بأكملها. وظهر موقف يسعى إلى الحفاظ على كل شيء في الواقع، وتقديم ولاء رمزي فقط لدمشق، وفي المقابل، إعادة بناء النظام الدستوري وفقاً لمطالبهم الخاصة. لم يكن هذا بحثاً عن حل وسط، بل فرضاً صريحاً.

مع تغير ميزان القوى، لم تكتف قوات سوريا الديمقراطية بالابتعاد عن دمشق، بل سعت أيضاً إلى إقامة تحالف سياسي وطائفي مناهض لدمشق. وكانت الجهود الرامية إلى إقامة اتصالات مع الدوائر العلوية في ممر اللاذقية وطرطوس ومع الشخصيات الدرزية المرتبطة بإسرائيل في السويداء جزءاً من هذه الاستراتيجية. ومع ذلك، لم تحظ هذه المبادرات بالاستجابة المتوقعة. لم ينضم المسيحيون والإسماعيليون والتركمان وحتى اليهود السوريون، على الرغم من قلة عددهم، إلى هذا المشروع. كانت المعادلة التي حاولت قوات سوريا الديمقراطية إقامتها تفتقر إلى الشرعية الاجتماعية.

من وجهة نظر نظام دمشق، لا يزال هناك عاملان أساسيان غير مؤكدين في هذه المرحلة. لا يزال من غير الواضح كيف سترد إسرائيل في حالة حدوث مواجهة عسكرية محتملة. وتزيد إمكانية تدخل جديد من الجنوب من تعقيد حسابات دمشق. أما العامل الثاني غير المؤكد فيتعلق بالعلاقات مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي. بعد سنوات من الحرب، يجب على نظام دمشق، الذي يسعى الآن إلى استعادة شرعيته، أن يزن بعناية أي خطوة قد تعرض هذا العملية للخطر.

ومع ذلك، فإن الوقت ينفد. مع اقتراب الموعد النهائي لدمج SDG في دمشق، تشير الدلائل الميدانية إلى أن التوترات لا تهدأ. وتشكل الاشتباكات الأخيرة في حلب تحذيراً قوياً من أن العملية قد لا تحل على طاولة المفاوضات. وفي حال عدم التوصل إلى اتفاق، فإن احتمال لجوء دمشق إلى تحرك عسكري سريع ومحدود ولكنه فعال، كما في حالة إدلب، أصبح الآن موضع نقاش جاد.

جاءت زيارة تركيا إلى دمشق في هذا التوقيت بالذات. لم تكتف أنقرة بتقديم نصائح دبلوماسية للأطراف، بل ذكّرتهم أيضاً بالواقع على الأرض. كانت الرسالة واضحة: استقرار سوريا مرتبط مباشرة بأمن تركيا، وأي محاولة لتقويض هذا الاستقرار لن تمر دون رد. الأساس الذي أرسته قوات سوريا الديمقراطية مع إسرائيل ليس خياراً مقبولاً بالنسبة لدمشق أو أنقرة.

باختصار، في هذه المرحلة، تختفي المناطق الرمادية بسرعة. إما أن تصبح قوات سوريا الديمقراطية جزءاً حقيقياً من هيكل الدولة السورية أو تظل خارجها. أعلنت زيارة تركيا القوية إلى دمشق أن هذه العملية لم تعد تتحمل المزيد من التأخير والتسويف. وستحدد الأيام المقبلة ليس فقط مسألة الاندماج، بل أيضاً المحور الذي سيتشكل على أساسه مستقبل سوريا…

Turan Kışlakçı

توران قشلاقجي
أكمل تعليمه العالي في إسلام آباد وإسطنبول. بدأ مسيرته الصحفية في مرحلة الدراسة الإعدادية، وعمل محررًا للأخبار الخارجية في صحيفة "يني شفق". قشلاقجي هو مؤسس موقعي "دنيا بولتيني" و"تايم تورك". وشغل منصبي رئيس تحرير منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا في وكالة الأناضول، والمنسق العام لقناة "تي آر تي عربي". كما ترأس جمعية الإعلاميين الأتراك - العرب وجمعية "مهجر"، وعمل مستشارا في وزارة الثقافة القطرية. ويقدم حاليًا برنامج "البرج العاجي" على قناة "إيكول تي في"، ويكتب مقالات في صحيفة "القدس العربي". وألّف كتابين عن الشرق الأوسط.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.