عند الحديث عن احتمال وقوع مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، يتجه التفكير غالباً وبشكل تلقائي إلى مشهد واضح ومألوف: الطائرات الأمريكية المتطورة، وعلى رأسها مقاتلات F-35، في مواجهة الصواريخ الباليستية الإيرانية. ويبدو هذا التصور منطقياً، لأن الحروب في الوعي العام لا تزال تُفهم أساساً باعتبارها مواجهة بين وسائل عسكرية مادية — طائرات، وصواريخ، وقواعد، وضربات مباشرة.
غير أن هذا التصور، رغم صحته الجزئية، لا يعكس الصورة الكاملة للحرب الحديثة. فالقوة العسكرية اليوم لم تعد مجرد مسألة منصات قتالية متقدمة، بل أصبحت تعتمد بشكل أساسي على منظومات رقمية معقدة تربط هذه المنصات ببعضها البعض. فالطائرة الحديثة، مثل F-35، لا تستمد تفوقها فقط من سرعتها أو قدرتها على التخفي، بل من قدرتها على العمل ضمن شبكة واسعة من أنظمة الاتصالات، والأقمار الصناعية، والرادارات، ومراكز القيادة. هذه الشبكة هي التي تمنحها تفوقها الحقيقي.
بمعنى آخر، لم يعد التفوق العسكري الحديث قائماً على المنصة وحدها، بل على النظام الذي يدعم هذه المنصة. وكلما زاد اعتماد القوة العسكرية على هذه الأنظمة الرقمية، زادت حساسيتها لأي خلل أو اضطراب في عملها. وهنا تحديداً تظهر أهمية البعد السيبراني، الذي لا يستهدف بالضرورة تدمير السلاح نفسه، بل يمكنه التأثير في البيئة التي يعمل فيها هذا السلاح.
في هذا السياق، يجب فهم القدرات السيبرانية الإيرانية ضمن هذا الإطار. فإيران تدرك جيداً أنها لا تستطيع منافسة الولايات المتحدة بشكل مباشر من حيث القوة العسكرية التقليدية. لكنها، في المقابل، طورت خلال السنوات الماضية قدرات سيبرانية تتيح لها التأثير في الأنظمة التي تعتمد عليها هذه القوة. وهذا لا يعني أن إيران تستطيع تعطيل القوة العسكرية الأمريكية بالكامل، بل يعني أنها تمتلك القدرة على التأثير في استمرارية عملها وكفاءتها.
وقد أثبتت التجربة العملية أن هذه القدرات ليست مجرد افتراض نظري. ففي أكثر من مناسبة، تمكنت هجمات سيبرانية مرتبطة بإيران من التأثير في أنظمة حساسة، مثل المؤسسات المالية الكبرى وأنظمة الطاقة والبنية التحتية الرقمية. هذه الهجمات لم تدمر هذه الأنظمة بشكل كامل، لكنها كشفت حقيقة مهمة: حتى أكثر الأنظمة تطوراً تعتمد على توازن دقيق من الاستمرارية الرقمية، وأي اضطراب في هذا التوازن يمكن أن يؤدي إلى نتائج ملموسة.
تكمن أهمية هذه القدرة في أنها لا تعتمد على مواجهة مباشرة. فبدلاً من محاولة تدمير الطائرات أو القواعد العسكرية، يمكن للقدرات السيبرانية أن تستهدف الأنظمة التي تجعل هذه الطائرات والقواعد تعمل بكفاءة. فالعمليات العسكرية الحديثة تعتمد على تدفق مستمر للمعلومات، وعلى تنسيق دقيق بين مختلف الوحدات. وإذا تعرض هذا التدفق لأي خلل، فإن الفعالية العملياتية تتأثر بشكل مباشر.
تزداد أهمية هذا العامل بشكل خاص في الساعات الأولى من أي مواجهة محتملة. ففي بداية أي صراع، تعتمد القوات العسكرية بشكل كبير على سرعة جمع المعلومات وتحليلها واتخاذ القرار. وأي تأخير أو اضطراب في هذه العملية يمكن أن يؤثر في سرعة الاستجابة وفي كفاءة العمليات. وهنا يمكن للقدرات السيبرانية أن تلعب دوراً مهماً، ليس من خلال التدمير المباشر، بل من خلال التأثير في سرعة وكفاءة عمل هذه الأنظمة.
كما أن الأنظمة اللوجستية تمثل نقطة حساسة أخرى. فالقوة العسكرية لا تعتمد فقط على السلاح نفسه، بل على القدرة على تشغيل هذا السلاح بشكل مستمر. وهذا يتطلب شبكات معقدة من الإمداد، والصيانة، والتنسيق. وإذا تعرضت هذه الشبكات لأي اضطراب، حتى لو كان محدوداً، فإن ذلك يمكن أن يؤثر في القدرة العملياتية بشكل عام.
الأمر نفسه ينطبق على البنية التحتية للطاقة والاتصالات. فجميع الأنظمة العسكرية الحديثة تعتمد على توفر الكهرباء واستمرارية الاتصالات. وأي خلل في هذه البنية التحتية يمكن أن يؤثر بشكل غير مباشر في العمليات العسكرية.
كذلك، يمكن أن تلعب الأنظمة المالية والبنية التحتية المدنية دوراً في هذا السياق. فالحروب الحديثة لا تقتصر على المواجهة العسكرية فقط، بل تشمل أيضاً البعد الاقتصادي والنفسي. وأي اضطراب في هذه الأنظمة يمكن أن يؤثر في الاستقرار العام وفي بيئة اتخاذ القرار.
كل هذه العوامل توضح أن القدرات السيبرانية الإيرانية لا تهدف إلى تدمير القوة العسكرية الأمريكية بشكل مباشر، بل إلى التأثير في البيئة التي تعمل فيها هذه القوة. وهذا ما يجعلها أداة غير متماثلة ذات تأثير استراتيجي. فهي لا تزيل التفوق العسكري الأمريكي، لكنها يمكن أن تؤثر في كيفية استخدام هذا التفوق.
في النهاية، فإن فهم أي مواجهة محتملة بين الولايات المتحدة وإيران يتطلب النظر إلى ما هو أبعد من الصواريخ والطائرات. فالحرب الحديثة لا تُحسم فقط في السماء أو في ساحة المعركة، بل أيضاً في الفضاء الرقمي الذي يربط هذه المنظومات ببعضها. وفي هذا الفضاء غير المرئي، تمتلك إيران أدوات يمكن أن تؤثر في ميزان القوة بطرق لا تظهر للعين، لكنها قد تكون ذات تأثير حقيقي على مجريات الصراع.
