الحرب الباردة في الخليج: التنافس بين السعودية والإمارات يمتد إلى أفريقيا

تكتشف العاصمتان أنهما، رغم تشاطرهما رؤية مستقبل ما بعد النفط، تختلفان اختلافاً كبيراً في رؤيتهما للخريطة الإقليمية التي ستوصلهما إلى تلك الرؤية. وسيحدد قدرتهما على إدارة هذا التنافس من خلال الدبلوماسية الهادئة أو الاستمرار في إطلاق تحذيرات علنية بشأن ”الخطوط الحمراء“ استقرار أهم طرق التجارة في العالم لسنوات قادمة.
08/01/2026
image_print

في قاعات الاجتماعات المعقمة والمرتفعة في الخليج، كان شعار العقد الماضي هو ”المصير المشترك“. من حصار قطر في عام 2017 إلى التدخل الأولي في اليمن، بدت الرياض وأبو ظبي بمثابة المحركين التوأمين لنظام عربي جديد وحازم. ومع ذلك، مع بداية عام 2026، لم يتصدع هذا المظهر من الوحدة فحسب، بل تم استبداله بسلسلة من النزاعات القضائية عالية المخاطر تمتد من جبال جنوب اليمن إلى موانئ القرن الأفريقي.

وقد ظهر الدليل الأكثر دراماتيكية على هذا التحول في الأيام الأخيرة من عام 2025. ففي 30 ديسمبر، شنت القوات الجوية السعودية غارة نادرة ومحددة على ميناء المكلا اليمني. ولم يكن الهدف هو المتمردين الحوثيين، بل شحنة من المركبات المدرعة والأسلحة التي يُزعم أنها موجهة إلى المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو الحركة الانفصالية المدعومة من الإمارات العربية المتحدة. بالنسبة للرياض، كان هذا لحظة ”خط أحمر“. بالنسبة لأبو ظبي، كان ”هجومًا عسكريًا صارخًا“ على شريك.

لفهم هذا التوتر، يجب النظر إلى ما هو أبعد من مجرد صدامات شخصية بين ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس الشيخ محمد بن زايد. فالاختلاف بينهما هيكلي. تظل السعودية، باعتبارها القوة الإقليمية التقليدية ذات الحدود البرية الطويلة مع اليمن، ملتزمة بمبدأ سيادة الدولة وسلامة أراضيها. وترى الرياض أن يمنًا موحدًا ومستقرًا أمر ضروري لأمنها القومي. على العكس من ذلك، تتبنى الإمارات العربية المتحدة بشكل متزايد استراتيجية ”الإمبراطورية البحرية“. فهي تفضل يمنًا لا مركزيًا حيث يمكن لدولة جنوبية صديقة ومستقلة أن تؤمن ممرات الشحن الحيوية لمضيق باب المندب.

ولا يقتصر نهج ”الكسر من أجل البناء“ الذي تتبعه أبوظبي على اليمن. ففي السودان، تجد القوتان نفسيهما على طرفي نقيض في حرب أهلية مدمرة وكارثية. وفي حين أن المملكة العربية السعودية وضعت نفسها في موقع الوسيط الرئيسي، حيث استضافت محادثات في جدة ودعمت القوات المسلحة السودانية النظامية للحفاظ على الهيكل المؤسسي للدولة، فإن الإمارات العربية المتحدة اتُهمت على نطاق واسع بدعم قوات الدعم السريع شبه العسكرية. تنفي الإمارات العربية المتحدة هذه الادعاءات، لكن المنطق الجيوسياسي يظل ثابتًا: تفضيل الشركاء غير الحكوميين المرنين القادرين على تأمين مصالح اقتصادية ولوجستية محددة على الهياكل الفوضوية والمتصلبة في كثير من الأحيان للعواصم العربية التقليدية.

امتد التنافس الآن عبر البحر الأحمر إلى القرن الأفريقي، مما أدى إلى خلق شبكة معقدة من الدبلوماسية ”من ميناء إلى ميناء“. أدى الاعتراف الأخير بإسرائيل باستقلال صوماليلاند – وهي خطوة لم تدينها الإمارات العربية المتحدة بشكل ملحوظ، لكنها تعرضت لانتقادات شديدة من قبل المملكة العربية السعودية – إلى تحويل المنطقة إلى مسرح جديد للمنافسة. من خلال دعم صوماليلاند وميناء بربرة، تكتسب الإمارات العربية المتحدة موطئ قدم استراتيجي يتجاوز الحكومة المركزية في مقديشو، التي تدعمها الرياض.

تكمن الزاوية الفريدة لهذا التوتر في ”عامل ترامب“. بعد اجتماع رفيع المستوى بين ولي العهد السعودي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أواخر عام 2025، يبدو أن واشنطن قد انحازت إلى الرؤية السعودية للاستقرار الإقليمي. يشير المحللون إلى أن التقدم الذي أحرزه المجلس الانتقالي الجنوبي مؤخراً في اليمن كان ”انتقاماً“ تكتيكياً من أبو ظبي لما اعتبرته محاولة سعودية للضغط على البيت الأبيض ضد مصالح الإمارات في السودان.

على الرغم من حدة الخطاب، فإن هذا ليس مقدمة لحرب بين عملاقي الخليج. فكلتا الدولتين متكاملتان اقتصادياً إلى حد كبير، وكلاهما تسابقان لتنويع اقتصاداتهما بعيداً عن النفط. أي انقطاع تام سيكون ”تدميراً متبادلاً مؤكداً“ لرؤيتيهما الاقتصادية لعامي 2030 و2031. فالسياحة والطيران ومراكز التكنولوجيا تتطلب صورة الاستقرار.

ومع ذلك، فإن ديناميكية ”الأخ الأكبر والأخ الأصغر“ التي ميزت أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين قد ولت. الإمارات العربية المتحدة، التي كانت في يوم من الأيام الشريك الأصغر، تمتلك الآن شبكة متطورة من الوكلاء والأصول البحرية التي لا ترغب في إخضاعها للقيادة السعودية. السعودية، التي انتعشت بفضل تحولها الداخلي وتجديد علاقاتها مع إيران وتركيا، لم تعد مستعدة لتغاضي عن تجارب جارتها في السياسة الخارجية التي تهدد استقرار حدودها.

ويتمثل الخطر على العالم بأسره في ”سودنة“ النزاعات الإقليمية، حيث تلعب الأطراف الفاعلة المحلية في اليمن أو الصومال على وتر الخلاف بين القوتين الخليجيتين للحصول على أسلحة وتمويل أفضل. بالنسبة للشرق الأوسط في عام 2026، قد لا يكون التحدي الأكبر للسلام الإقليمي هو التنافس القديم بين الرياض وطهران، بل المنافسة الباردة الناشئة بين الرياض وأبو ظبي.

تكتشف العاصمتان أنهما، رغم تشاطرهما رؤية لمستقبل ما بعد النفط، فإنهما تختلفان اختلافاً كبيراً في رؤيتهما للخريطة الإقليمية التي ستوصلهما إلى ذلك المستقبل. إن قدرتهما على إدارة هذه المنافسة من خلال الدبلوماسية الهادئة أو الاستمرار في التحذيرات العلنية بـ”الخطوط الحمراء“ ستحدد استقرار أهم طرق التجارة في العالم لسنوات قادمة.

المصدر: https://www.middleeastmonitor.com/20260103-the-gulfs-cold-war-saudi-uae-rivalry-spills-into-africa/

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.