الإنسان بوصفه مُنتِجًا للرموز: الحيوان الرمزي

مع صعود الأزمنة الحديثة الذي تسارع مع عصر التنوير، ولا سيما تحت تأثير نظرية التطور، ساد التصور الطبيعي الذي يسعى إلى تفسير الإنسان انطلاقًا من المعارف الفيزيائية التي أنتجها هو نفسه عن الكون، وذلك بدلًا من التصور الأنثروبولوجي التقليدي الذي كان يحاول فهم الكون انطلاقًا من الإنسان بوصفه أساسًا. ومنذ ذلك الحين بدأ المفكرون والعلماء المعاصرون، ومعهم البشرية تدريجيًا، يؤمنون إيمانًا مشتركًا بأن الطبيعة الإنسانية تشكل وحدة واحدة؛ ومن دون أن يمسّوا هذه الوحدة الاعتقادية، أخذوا يطرحون آراء مختلفة حول ماهية القدرة الأساسية التي تحقق هذه الوحدة. غير أن هذا الاختلاف في مقاربة المعرفة، الذي كان في الحقيقة يظهر في نقطة ثانوية، أدّى في النهاية إلى ظهور تصورات عديدة عن الإنسان، تفتقر إلى الاتساق فيما بينها، بل ويعمل بعضها أحيانًا ضد بعض.
image_print

[الوعي ليس شرطًا مسبقًا لقدرة التفكير والاستدلال، ولا هو الشيء نفسه. فالحيوان يمكنه أن يحلّ كثيرًا من المشكلات من دون أن يكون واعيًا بوضوح بما يفعله أو لماذا يفعله. والواقع أن الوعي يرفع التفكير إلى مستوى جديد، لكنه ليس الشيء نفسه الذي نعنيه بالتفكير…
تظهر المشاعر العاطفية عندما ندرك بوعي أن نظامًا عاطفيًا في الدماغ قد أصبح نشطًا. وكل كائن يمتلك وعيًا تكون له أيضًا مشاعر. ومع ذلك فإن المشاعر في دماغ قادر على تصنيف العالم لغويًا وعلى ترتيب الخبرات ضمن فئات بواسطة الكلمات ستكون مختلفة عن المشاعر في دماغ لا يستطيع القيام بذلك. إن التمييز بين الخوف والقلق والرعب والهمّ وما شابه ذلك ما كان ممكنًا من دون اللغة. وفي الوقت نفسه، لو لم يوجد نظام عاطفي كامن ينتج الحالات الدماغية والتعبيرات الجسدية التي تشير إليها هذه الكلمات، لما كان لأيٍّ من هذه الكلمات معنى. لقد تطورت العواطف لا بوصفها مشاعر واعية متمايزة لغويًا أو على نحو آخر، بل بوصفها حالات دماغية واستجابات جسدية. فالحالات الدماغية والاستجابات الجسدية هي الوقائع الأساسية لأي عاطفة، أما المشاعر الواعية فليست سوى زخارف تضيف طبقة من الكريمة إلى كعكة العاطفة.] (جوزيف لودو. «الدماغ العاطفي: الأسس الغامضة للحياة العاطفية». سايمون وشوستر، 1996، ص 302.)

[إن إدراك خصوصية «الإنسانية» الكامنة في الفجوة بين القدرات المعرفية والقدرات العاطفية سيكون أمرًا مثيرًا للاهتمام: فالإنسان الذي ينبغي لمشاعره أن تلحق بقدراته المعرفية لن يكون إنسانًا بعد الآن، بل سيصبح مخلوقًا باردًا محرومًا من المشاعر الإنسانية. وهنا ينبغي أن ندعم لودو بمقاربة أكثر بنيوية: فالمسألة ليست مجرد أن عواطفنا تبقى متأخرة عن قدراتنا المعرفية، عالقة عند المستوى الحيواني البدائي. إن هذه الفجوة نفسها تؤدي وظيفة «حقيقة عاطفية»، وهي تولِّد مشاعر جديدة مخصوصة بالإنسان، تمتد من القلق (لا مجرد الخوف) إلى الحب الإنساني وإلى الكآبة…
وهناك فجوة بين العواطف بوصفها إيماءات سببية بيولوجية-عضوية، وبين العواطف بوصفها إيماءات رمزية متعلمة تخضع لقواعد (مثل ركوع باسكال للصلاة). إن العواطف «الإنسانية» تحديدًا (كالقلق مثلًا) لا تظهر إلا عندما يفقد الحيوان الإنساني ارتكازه العاطفي في غرائزه البيولوجية، ويُستكمَل هذا الفقد بعواطف منظَّمة رمزيًا بوصفها «الطبيعة الثانية» للإنسان.] (سلافوي جيجيك. «منظور التوازي». مطبعة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، 2006، ص 226-227.)

إن جميع المعارف والأفكار المتعلقة بالإنسان، وبالخصائص التي تميّزه عن سائر الكائنات الحية، تعيدنا في نهاية المطاف إلى بُعده اللغوي وإلى قدرته على الترميز. فأسهل الطرق وأكثرها مباشرة للوصول إلى سائر الصفات التعريفية والمميِّزة للإنسان تمرّ عبر مسار اللغة. ويمكن الحديث عن الذات والوعي والإرادة لدى جميع الكائنات الحية، غير أن ما يجعل ذات الإنسان ووعيه وإرادته مختلفة هو هذه السمة اللغوية تحديدًا، أي خاصيته بوصفه مُنتِجًا للرموز. ونرى أن ما يجعل ذهن الإنسان يتحول إلى جوهر مغاير تمامًا للمجال المادي، وما يمكّنه من بناء «عالم» يختلف اختلافًا جذريًا عن عوالم الكائنات الأخرى، هو هذه الطبيعة اللغوية للإنسان. ولهذا وضعنا في مستهل مقالنا اقتباسات من علوم الأعصاب والفلسفة المعاصرة تشير إلى أن «التدخلات الحاسمة للغة» هي التي تميّز الإنسان عن سائر الكائنات الحية. ووفقًا للتصور السائد في علوم الأعصاب المعاصرة، فإن «التصور الفرويدي لدماغٍ غريبٍ عن أي نشاط رمزي — أي دماغ يقوم على أساس مادي خالص ولا يمتلك استقلالية في إدارة دوافعه الطاقية — هو اليوم في طور الزوال الكامل.» (أ. جونستون، ك. مالابو، «الذات والحياة العاطفية»، ترجمة غورفيت هـ، منشورات أكسيس، 2025، ص 347). فعندما نصل إلى مجال الرمزية، أي إلى المجال اللغوي، يتوقف الدور التفسيري للبنية الحيوية المشتركة بين الإنسان والحيوان، وتبدأ قصة جديدة ومختلفة تمامًا تخص الإنسان.

ونحن نرى أن ذهن الإنسان، على الرغم من أنه يبدو مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالعالم المادي وبالجسد وبالدماغ — بل وكأنه متفرع عنها أو ناتج عنها — لا يمكن بحال من الأحوال اختزاله في بنية مادية، ولذلك فإنه يشكّل جوهرًا متميزًا قائمًا بذاته. فلو لم يكن الأمر كذلك لما استطعنا أن نفسر تفسيرًا كافيًا الذات والوعي والإرادة (وكذلك الحياة الروحية والإيمان والمسائل اللاهوتية). كما نعتقد أن القدرة اللغوية لدى الإنسان، التي تمكّنه من تحقيق الرمزية، إنما تعود إلى هذا الجوهر الذهني. وفي هذه النقطة نحن أقرب إلى منظور ديكارت. ولهذا فإننا نتبنى خطًا فكريًا يدافع عن ديكارت وينطلق منه. غير أنه عندما يتعلق الأمر بلغة الإنسان وبخصائص اللغة الرمزية — سواء في قدرتها على إحداث التحول في الجسد أو في دورها التأسيسي للثقافة داخل العالم المادي — فإن القدرة التفسيرية لديكارت تبدو اليوم غير كافية؛ ولذلك يتعين علينا أن نبتعد عن هذا المسار ونتجه إلى طريق آخر. وفي رأينا أن إرشاد إرنست كاسيرر في هذا المجال جدير بالثقة إلى حد كبير. وأظن أنه بفضل فلسفته في الإنسان، ومع فهمٍ أفضل لأهمية البعد اللغوي، سنتمكن أيضًا من النظر إلى ديكارت نفسه من أفق جديد تمامًا.

فلسفة الإنسان عند إرنست كاسيرر

لقد شغلت مسألة ما الذي يمكننا معرفته الإنسان بقدر ما شغلته مسألة كيف تتكوّن معرفتنا. إن قضية «حدود المعرفة العلمية»، التي ما تزال موضع نقاش حاد حتى اليوم، هي نتيجة لمثل هذا الانشغال الفكري المهم. وقد طُرحت مسألة حدود المعرفة العلمية بالمعنى الحديث لأول مرة على يد إيمانويل كانط.

كان كانط يرى أن العالم الظاهر فقط، أي العالم «الظاهراتي»، يمكن أن يكون موضوعًا للمعرفة العلمية، وأن المعرفة التي تخص هذا العالم وحده هي التي يمكن اعتبارها صحيحة أو حقيقية؛ أما العالم «النومينالي» الذي سمّاه العالم «ما وراء الظواهر»، فقد كان يرى أنه لا يمكن إدراكه بواسطة المعرفة العلمية. غير أن المفكرين المثاليين الألمان، وفي مقدمتهم فيخته وشيلنغ وهيغل، تحدّوا كانط حين قالوا إن العالم «النومينالي» يمكن أيضًا فهمه، وبذلوا جهودًا لتحقيق ذلك. ولم يتأخر الفكر الألماني الغني في أن يرد على المثاليين برد فعل ظهر تحت اسم «الكانطية الجديدة». فقد أصرّ الكانطيون الجدد على أن المعرفة الدينية والميتافيزيقية التي تتجاوز حدود العلم ليست لها إلا قيمة عملية، ولا يمكن أن تسهم في فهم الواقع.

أما المفكرون الذين تجمّعوا في مدرسة ماربورغ حول هرمان كوهين وبول ناتورب فقد حاولوا إيجاد طريق وسط في هذا الصراع الذي بدا غير قابل للحل بين المثاليين والكانطيين الجدد. وكان مفكرو مدرسة ماربورغ، ومن بينهم إرنست كاسيرر الذي يُعدّ أحد أبرز مفكري القرن العشرين بفضل إسهاماته في فلسفة الإنسان والثقافة، يؤكدون أن واقعية قوانين الفكر هي «الواقعية الأولى والوحيدة القابلة للمعرفة»، ومن هذا المنطلق ظلوا متمسكين بالمبادئ الكانطية، لكنهم في الوقت نفسه لم يترددوا في الدفاع عن مفهوم «الوعي الثقافي» الذي يسعى إلى الجمع بين العلم والأخلاق والفن. وكان ممثلو هذه المدرسة كانطيين بقدر ما كانوا لا يثقون في مفاهيم مثل «الإحساس» و«الحدس» التي كانوا يعدّونها مفاهيم لا عقلانية في تناول الواقع، وبقدر ما كانوا يرون أن كل وجود يمكن اختزاله إلى شبكة من العلاقات المنطقية؛ غير أنهم، من خلال تأكيدهم على الثقافة، كانوا يبرزون بوضوح البعد الاجتماعي في مواجهة النزعة الفردية عند كانط.

ومنذ كتابه «مفهوم الجوهر والوظيفة» الذي نُشر سنة 1910 بدأ كاسيرر يتجاوز حدود الفهم العلمي-الرياضي للمعرفة الذي تبنته مدرسة ماربورغ، فأخذ يضفي على مفهوم «الثقافة» معنى مختلفًا، وشيئًا فشيئًا بلور فهمه الخاص الذي ينظر إلى مشكلة المعرفة من زاوية النشاط الثقافي. وفي فلسفة كاسيرر، التي طرح فيها أفكارًا في مجالات عديدة تمتد من اللغة إلى الدولة، ومن الأسطورة إلى الدين، ومن الفن إلى العلم والتقنية، ظل مفهوما «الإنسان» و«الثقافة» دائمًا الموضوعين المركزيين [1]. وبالنسبة إلى كاسيرر فإن الغاية العليا للفلسفة هي إيجاد جواب عن سؤال «ما الإنسان؟»، وقد اختلفت الأجوبة المقدمة لهذا السؤال عبر تاريخ الفكر.

والآن، لكي نتمكن من رؤية التحول التاريخي في النظرة إلى الإنسان [2] وكذلك للتعرّف على أفكار كاسيرر، لننظر بإيجاز إلى الكيفية التي تناول بها الإنسان عبر التاريخ وإلى الطريقة التي سعى بها إلى إضفاء المشروعية على فلسفته الخاصة.

في المراحل الأولى من الفلسفة اليونانية، لدى المفكرين الذين يُطلق عليهم اسم «ما قبل سقراط»، نلاحظ أن الاهتمام كان منصبًّا فقط على الكون الفيزيائي، وأن علم الكونيات كان يتمتع بتفوّق واضح على سائر البحوث الفلسفية. ومن بينهم هيراقليطس، الذي كان أول فيلسوف، إلى جانب اهتمامه بالكونيات، يطرح أسئلة أنثروبولوجية، ويرى أن الإنسان لا يستطيع فهم الطبيعة من دون أن يفهم نفسه. أما سقراط فيمثّل نقطة التحوّل الحاسمة في الفكر الفلسفي من التوجّه إلى الخارج نحو التوجّه إلى الداخل. فعند سقراط اختفت جميع أسئلة الفلسفة الطبيعية والميتافيزيقا اليونانية، ولم يبقَ سوى سؤال واحد: «ما الإنسان؟». غير أن سقراط لم يقدّم تعريفًا مباشرًا للإنسان؛ بل أضاف إلى بُعد «معرفة الذات» بُعد الحوار مع الآخرين، وذهب إلى أن فهم الإنسان يقتضي فهم السياق الذي تقوم فيه «العلاقة» التي يقيمها الإنسان نفسه. وبالنسبة إلى سقراط، الذي قال: «إن الحياة التي لا تُفحَص ولا تُنقَد لا تستحق أن تُعاش»، أصبح الإنسان كائنًا «مسؤولًا» وذاتًا أخلاقية بفضل قدرته على الاستجابة لنفسه وللآخرين.

ويمكننا أن نرى مثل هذا التطور في جميع أشكال الحياة الثقافية للإنسان. ففي البداية كان الإنسان يعتمد اعتمادًا كاملًا على بيئته الفيزيائية لتلبية حاجاته؛ فإذا لم يستطع التكيّف باستمرار مع محيطه فلن يستطيع البقاء. ولذلك فإن الخطوات الأولى التي خطاها نحو عالم الفكر والثقافة كانت تعكس بالضرورة جهوده للتكيّف مع بيئته القريبة. غير أنه مع مرور الزمن، وبالتوازي مع تطور الثقافة وتنوعها، بدأ فضول الإنسان يغيّر اتجاهه؛ فإلى جانب التفسيرات الكونية ظهرت أشكال من التفسير الأنثروبولوجي، وإن كانت في البداية بسيطة للغاية؛ وأخذ مبدأ «اعرف نفسك» يكتسب تدريجيًا طابعًا حاسمًا في تشكيل الأشكال العليا للحياة الأخلاقية والدينية.

وفي الحياة الفكرية التي أعقبت سقراط ظل سؤال «ما الإنسان؟» محتفظًا بمكانته بوصفه السؤال الأساسي. وقد أصبح نزوع سقراط إلى مساءلة الذات أكثر تعقيدًا قليلًا لدى الفلاسفة الرواقيين؛ إذ لم يعد يقتصر على بعد أخلاقي فحسب، بل اكتسب أيضًا خلفية كونية وميتافيزيقية. وقد بدأ هؤلاء الفلاسفة، خلافًا لمن سبقهم، يميّزون بوضوح بين الجانبين الطبيعي والروحي للإنسان، ويؤكدون أن الإنسان مستقل أخلاقيًا عن الطبيعة. فالاستقلال المطلق الذي عُدّ في الرواقية الفضيلة الأساسية للإنسان تحوّل في المسيحية إلى نقصه وخطئه الأساسيين. أما الأمر الأخلاقي الرواقي الذي يقضي بأن يتبع الإنسان «إلهه» الداخلي ويوقّره، فليس عديم الفاعلية فحسب، بل هو مضلِّل وخاطئ أيضًا. فالإنسان لا يستطيع أن يثق بنفسه أو أن يصغي إليها؛ بل ينبغي له أن يصمت كي يسمع صوتًا أعلى وأكثر حقيقة.

ومع الكوسمولوجيا الجديدة لكوبرنيكوس ظهر تحوّل كبير في سؤال «ما الإنسان؟». فقد دخل إلى الساحة ما يمكن تسميته بالمعنى الحديث «النفس العلمية»، إذ أصبح المطلوب تصور عام للإنسان يقوم على الملاحظات التجريبية وعلى المبادئ العامة للمنطق. ولتحقيق ذلك كان لا بد أولًا من إزالة الحواجز المصطنعة التي تفصل عالم الإنسان عن بقية الطبيعة. ولم تتأخر مخاوف أمثال باسكال ولا ردود فعل الشكّاكين مثل مونتين تجاه هذا التصور الجديد للعالم. أما جيوردانو برونو فقد وضع أسس الميتافيزيقا الحديثة مستندًا إلى مفهوم اللانهاية. ولإزالة الأزمة الفكرية التي بدأت مع كوبرنيكوس كان لا بد من الجهد المشترك لعلماء الميتافيزيقا والعلماء في القرن السابع عشر. فقد ذهب غاليليو إلى أن الإنسان بلغ في مجال الرياضيات مستوى من المعرفة يمكن مقارنته بـ«العقل الإلهي»، في حين طرح ديكارت فكرة الشك الكوني ومفهوم «اللامتناهي العلمي». أما لايبنتس فقد قدّم فكرة العمليات الرياضية التي يمكن من خلالها فهم الكون الفيزيائي، ورأى أن قوانين الطبيعة ليست سوى حالات خاصة من القوانين العامة للعقل. بينما أقام سبينوزا فلسفة أخلاقية رياضية تهدف إلى تحرير الإنسان من الخطأ والتحيّز. وإذا نظرنا إلى الأمر في مجموعه، نجد أن المهمة الأساسية لحل مشكلة الإنسان في القرن السابع عشر أُنيطت بالعقل الرياضي.

ومع صعود الأزمنة الحديثة الذي تسارع مع عصر التنوير، ولا سيما تحت تأثير نظرية التطور، ساد التصور الطبيعي الذي يسعى إلى تفسير الإنسان انطلاقًا من المعارف الفيزيائية التي أنتجها هو نفسه عن الكون، وذلك بدلًا من التصور الأنثروبولوجي التقليدي الذي كان يحاول فهم الكون انطلاقًا من الإنسان بوصفه أساسًا. ومنذ ذلك الحين بدأ المفكرون والعلماء المعاصرون، ومعهم البشرية تدريجيًا، يؤمنون بأن الطبيعة الإنسانية تشكّل وحدة واحدة؛ ومن دون أن يمسّوا هذه الوحدة الاعتقادية، أخذوا يطرحون آراء مختلفة حول ماهية القدرة الأساسية التي تحقق هذه الوحدة. فمثلًا حاول نيتشه تفسير هذه القدرة بـ«إرادة القوة»، في حين فسّرها ماركس بـ«القوة الاقتصادية»، وفسّرها فرويد من خلال «الغرائز».

غير أن هذا الاختلاف في مقاربة المعرفة، الذي ظهر في الواقع عند نقطة ثانوية، أدّى في النهاية إلى ظهور تصوّرات عديدة عن الإنسان، تفتقر إلى الاتساق فيما بينها بل وتعمل أحيانًا بعضها ضد بعض. وهكذا كان كاسيرر يعرّف المهمة الأساسية لفلسفته في الإنسان تعريفًا متواضعًا (!) بأنها «إعادة النظام إلى هذا التشتت في المعرفة الحديثة». فإذا أمكن تقديم جواب صحيح عن سؤال «ما الإنسان؟» فسيكون ذلك مفتاحًا مهمًا للتغلب على هذا التشتت [3].

وبحسب كاسيرر، فإن النظرة الطبيعية حين تعامل الإنسان كما لو كان مجرد واحد من موضوعات الطبيعة، وتخضعه خضوعًا كاملًا للحتمية الطبيعية، فإنها تحبس الإنسان في كون بلا لغة وتتجاهل الثقافة. غير أنه ينبغي، قبل كل شيء، تناول الإنسان داخل ثقافته وفي سياقه، وتحديد أن السمة الأكثر حسمًا التي تميّزه عن الحيوان ليست العقل كما يُظن عادة، بل كونه «كائنًا مُرمِّزًا (رمز)». ذلك لأن العقل، في نظر كاسيرر، لا يكفي لتمكيننا من إدراك أشكال الحياة الثقافية الإنسانية، ولا العواطف والانفعالات بكل ما فيها من غنى وتنوع.

[1] إ. غوكا، الانتقالات بين الطب النفسي وعالم الفكر، أنقرة، منشورات فادي، 1996، ص 200-204.

[2] لنسخة مختلفة وأكثر معارضة لعلاقة التاريخ بالنظرة إلى الإنسان، انظر كتاب ميشيل فوكو بناء الذات. [م. فوكو،  ترجمة ل. كافاس، إسطنبول، منشورات آرا، 1992.]

[3] إ. كاسيرر، مقالة في الإنسان، ترجمة نِجلا أرات، إسطنبول، منشورات رمزي، 1980، ص 15-36.

 

Prof. Dr. Erol Göka

البروفيسور إرول غوكا
وُلد عام 1959 في ولاية دنيزلي، وهو متزوج وأب لخمسة أطفال. حصل على درجة الأستاذية في الطب النفسي عام 1992، وأصبح رئيسًا لقسم الطب النفسي في مستشفى أنقرة النموذجي للتدريب والبحوث عام 1998. يشغل حاليًا منصب المسؤول الإداري والتعليمي في قسم الطب النفسي بالمدينة الطبية التابع لجامعة العلوم الصحية في أنقرة. وهو عضو في هيئة تحرير مجلة "Türkiye Günlüğü"، بالإضافة إلى عضويته في لجان استشارية للعديد من المجلات في مجالات الطب والعلوم الإنسانية. حصل إرول غوكا على جائزة "مفكر العام" لعام 2006 من اتحاد الكتاب الأتراك عن كتابه "السلوك الجماعي التركي"، كما مُنح جائزة "ضياء غوك ألب للعلم والتشجيع" من جمعية "Türk Ocakları" عام 2008.

الموقع الإلكتروني: erolgoka.net
البريد الإلكتروني: [email protected]

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.