إبراهيم قالِن ماذا يقول؟

وبالابتعاد عن سياق الخطاب الذي تستند إليه هذه المقالة، يمكننا أن نطرح على أنفسنا سؤالًا: هل نستطيع أن نتحرر من عاداتنا أو مسلّماتنا المسبقة في مواجهة المشهد الذي نواجهه اليوم؟ وعندما تظهر أمام أنقرة قراراتٌ وضرورات غير متوقعة على المستوى المجتمعي، هل سنبقى حبيسي حدود تفكيرنا، أم سنُشكّل حدودنا الذهنية بحقيقتنا نحن ونبني السلام في جغرافيتنا؟ هنا تكمن المسألة الحقيقية...
24/04/2026
image_print

الخطاب الذي ألقاه رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية (MİT) البروفيسور الدكتور إبراهيم قالِن في قمة STRATCOM بتاريخ 28 مارس/آذار 2026، قُرئ للوهلة الأولى بوصفه تقييمًا أمنيًا لبيئة الحرب التي نعيشها. غير أن الكثافة المفاهيمية في الأجزاء اللاحقة من الخطاب اختزلها بعضهم في مجرد نزعةٍ إلى البحث الفكري والمثالية. وعندما نُمعن النظر في ما بين السطور، يصبح بإمكاننا أن نبحث عن إجابة السؤال عمّا الذي يريد إبراهيم قالِن—الذي يمتلك، في قمة البيروقراطية الأمنية، معطياتٍ تفوق ما لدى أيٍّ منا جميعًا بشأن مسار العالم—أن يقوله في حقيقة الأمر.

في الواقع، الخلفية السياسية الراهنة للنص واضحة للغاية. فقد دخلت الحرب الروسية-الأوكرانية عامها الخامس. وما يزال الدمار مستمرًا في غزة. كما أن آثار المسار السوري لا تزال ماثلة في المنطقة. وفي خضمّ كل ذلك، تواصل الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى—والتي بدأت في 28 فبراير/شباط—إثارة قلق العالم رغم وقف إطلاق النار الجزئي. ويُفرد قالِن جزءًا مهمًا من خطابه لهذه القضايا تحديدًا؛ إذ يشرح الجهود التي تبذلها تركيا لمنع الحرب، وإرادتها البقاء خارجها، ومساعيها للحيلولة دون تحوّل المنطقة بأسرها إلى ساحةٍ من النيران.

لكن قراءة الخطاب على هذا المستوى وحده تظل قراءةً قاصرة.

ذلك أن قالِن، بعد أن يسرد التطورات على الأرض، ينقل الخطاب إلى مستوى آخر. هناك لم يعد الأمر مقتصرًا على الحرب والدبلوماسية والأمن. هناك الحقيقة. هناك المعرفة. هناك السردية. هناك الحكمة. بل إن هناك مفاهيم—مثل ما بعد الحداثة، والكارثة المعلوماتية، والتنوير المظلم، وتصور الوجود—لسنا معتادين على سماعها في خطاب رئيس جهاز استخبارات. وهذا يطرح، على نحوٍ لا مفر منه، السؤال التالي: هل يكتفي قالِن هنا بتأويل حربٍ ما، أم أنه يسعى إلى بناء إطارٍ فكري وجيوسياسي جديد باسم تركيا؟

برأيي، فإن الاحتمال الثاني هو الأرجح.

هَلْ نَحْنُ أَمَامَ مَجْمُوعِ أَزَمَاتٍ أَمْ أَزْمَةِ نِظَامٍ؟

إحدى أكثر السمات لفتًا للانتباه في خطاب STRATCOM هي أنه لا يقدّم التطورات الراهنة بوصفها أحداثًا منفصلة عن بعضها البعض. فالحرب الروسية-الأوكرانية، وغزة، وسوريا، وملف إيران لا تُعرض كعناوين مستقلة، بل تُقدَّم بوصفها أجزاءً مترابطة تُغذّي الكسر الدولي ذاته. وتكتسب عبارة قالِن: «نظام عالمي قائم على عدم القدرة على التنبؤ، والهشاشة، والاستخدام التعسفي للقوة» أهميةً حاسمة في هذا السياق. أي إن ما يُوصَف ليس مجرد تزايدٍ متنوعٍ في الحروب، بل نظام دولي ازدادت قدرته على إنتاج الحروب، في حين تراجعت شرعيته في حلّ الأزمات.

تُظهر هذه الرؤية أن التصور السائد في أنقرة لا يحصر المسألة ضمن إطار الأمن الإقليمي فحسب، بل إن السعي إلى التشخيص والمعالجة يتشكّل ضمن بُعدٍ أوسع لأزمةٍ بنيوية. وبعبارة أخرى، يُتناوَل المناخ الفوضوي الذي نواجهه اليوم في خطاب قالِن بوصفه شكلًا من أشكال تدهور النظام.

نَارُ الفِتْنَةِ وَمَصِيرُ شُعُوبِ الْمِنْطِقَةِ

إحدى أكثر الجمل طابعًا سياسيًا في الخطاب هي التأكيد على أن «هذه الحرب لا تستهدف فقط القدرة النووية لإيران، بل تسعى أيضًا إلى تهيئة الأرضية لصراعٍ أخويٍّ سيستمر لعقود بين الأتراك والأكراد والعرب والفرس». وما يُوصَف هنا ليس «زعزعة الاستقرار» بلغة الأمن الكلاسيكية، بل تصدّعًا أعمق، وأكثر اجتماعيةً، وأكثر تاريخية. ويؤكد الخطاب أن الحرب لا تقتصر في الواقع على تهديد الدول التي أُنشئت في القرن العشرين، بل تستهدف أيضًا النسيج الاجتماعي للمنطقة.

إن تعبيراتٍ مثل «عدم تأجيج نار الفتنة» و«إخماد لهيبها في صدورنا عند الضرورة» تشير إلى أن تركيا ترى نفسها لا طرفًا في الحرب، بل مركزًا يسعى إلى منع هذا التفكك. وتحمل هذه اللغة أيضًا ادعاءً بالتفوّق الأخلاقي. غير أن الأهم هنا هو أنها توحي بأن الدور الذي أسندته تركيا لنفسها في السياسة الإقليمية قد لا يعود مقتصرًا على الوساطة الدبلوماسية وحدها. ذلك أن فكرة «هندسة أمنية قائمة على ديناميات المنطقة نفسها» التي تتكرر طوال الخطاب تبدو وكأنها نذيرُ سعيٍ أوسع. ولن يكون من المنصف توقّع ما هو أبعد من هذه التصريحات. ويمكننا أن نفهم أن أنقرة تعتزم مواصلة النهج البنّاء والترميمي الذي اعتمدته في الساحة السورية في الآونة الأخيرة، في ساحات لبنان والعراق، بل وحتى إيران.

 

وفي الجزء الثاني من النص، ينتقل إبراهيم قالِن من الجيوسياسة إلى الإبستمولوجيا، ليؤكد أن السرديات الكبرى لما ما بعد الحداثة لم تُفضِ إلى عالمٍ أكثر حريةً أو عدلًا أو عقلانية؛ بل على العكس، مهّدت الطريق لعصرٍ أشدّ ظلمةً، تُنكَر فيه الحقيقة، وتُستَخدَم فيه المعرفة كأداة، ويُجعل فيه الواقع خاضعًا للأهواء. وهنا يبرز تحديدًا مفهوم «التنوير المظلم». فهذا المفهوم، المستلهَم من المفكر البريطاني نِك لاند، والذي يصوّر مآل الإنسان في ما بعد الثقافة السيبرانية (التسارعية)، يذكّرنا في جوهره بأن الحرب ليست مجرد أزمة عسكرية بقدر ما هي نتيجةُ تدهورٍ ذهنيٍّ ومفاهيمي.

مِنْ كُوخِ هَايْدِغَرْ إِلَى STRATCOM

هنا ينبغي تلمّسُ أثرِ البحث الفكري في تسعينيات القرن الماضي ضمن الخلفية الفكرية لقالِن. فالتأكيد على «الحقيقة» و«الوجود» و«المعرفة» و«الحكمة» و«المعنى» في خطاب STRATCOM ليس أمرًا عارضًا. يسعى إبراهيم قالِن إلى الجمع بين لغة البيروقراطية الأمنية ونقدٍ للحداثة، وفي مواضع معيّنة مع تقليد الحكمة في الفكر الإسلامي. وليس هذا تركيبًا يسيرًا، غير أن ما يُستشعَر هو أن هذا بالضبط ما يُحاوَل إنجازه.

وخلاصة القول، إن قالِن يقرأ الأزمة الجيوسياسية الراهنة لا بوصفها مجرد أزمة هيمنة وتوزيع قوة فحسب، بل أيضًا كأزمة معنى وحقيقة. ومن ثمّ، فإن الحل لا يقتصر على مزيد من القوة الصلبة، أو مزيد من خطوط الدفاع، أو دبلوماسية استباقية فحسب؛ بل يتمثل كذلك في تطوير عقلٍ سياسي قادر على بناء سرديّته الخاصة، والتفكير بمفاهيمه الخاصة، وغير مرتهنٍ لكونٍ لغويٍّ يخصّ الآخرين.

ماذا يعني «سردُ حكايتنا نحن»؟

ما يبرز في الجزء الأخير من الخطاب هو القول: «الحكاية التي لم تُسمِّها ليست حكايتك. وإذا تكلّمتَ ببنيةِ غيرك اللغوية، فحتى لو استخدمتَ كلماتك الخاصة، فلن تكون قد أسّست لغتك الخاصة». هذه العبارات لا تتعلق بسياسة الاتصال فحسب، بل بكيفية تقديم تركيا نفسها إلى العالم، بل وحتى بكيفية تفكيرها في ذاتها.

لذلك فإن قراءة الخطاب تحت عنوان «الاتصال الاستراتيجي» وحده ستكون قراءةً مُقَيِّدة. فالمقترح الحقيقي هنا هو أن تجمع تركيا بين رؤيتها الأمنية وقدرتها على بناء السرديات. وبعبارة أخرى، يُشاد جدار الأمن والسيادة الفكرية في الجملة ذاتها. وهذا ما يوحي بأن الخطاب قد تجاوز كونه تقييمًا روتينيًا للتهديدات من قِبل رئيس جهاز استخبارات، ليتحوّل إلى طرحٍ لإطارٍ فكري أوسع باسم تركيا.

ولهذا السبب، أقرأ هذا الخطاب لا بوصفه مجرد تقييمٍ راهنٍ للأزمة، بل باعتباره مسودةً تحدد كيف ينبغي لتركيا أن تتموضع فكريًا وجيوسياسيًا في مواجهة الفوضى العالمية الجديدة. فهنا لا يكتفي قالِن بشرح ما تفعله الدولة في خضم الحرب، بل يسعى أيضًا إلى إضفاء إحساسٍ بالاتجاه بشأن كيفية تفكير تركيا في المرحلة المقبلة.

ولعلّ لهذا السبب، فإن القضية الحقيقية ليست الحرب ذاتها.

بل إن القضية الحقيقية هي أين ستقف تركيا—ليس عسكريًا فحسب، بل فكريًا أيضًا—في هذا العصر المظلم الجديد الذي تُنتجه هذه الحروب.

وبالابتعاد عن سياق الخطاب الذي تستند إليه هذه المقالة، يمكننا أن نطرح على أنفسنا سؤالًا: هل نستطيع أن نتحرر من عاداتنا أو مسلّماتنا المسبقة في مواجهة المشهد الذي نواجهه اليوم؟ وعندما تظهر أمام أنقرة قراراتٌ وضرورات غير متوقعة على المستوى المجتمعي، هل سنبقى حبيسي حدود تفكيرنا، أم سنُشكّل حدودنا الذهنية بحقيقتنا نحن ونبني السلام في جغرافيتنا؟ هنا تكمن المسألة الحقيقية…

https://www.star.com.tr/yazar/ibrahim-kalin-ne-soyluyor-yazi-2011225/