نزاع المياه بين إسرائيل والأردن

المياه ليست مجرد مورد طبيعي يتم تقاسمه في العلاقات بين الأردن وإسرائيل؛ بل هي أحد المؤشرات الأكثر حساسية على نبض السلام. وطالما بقيت النزاعات حول 50 مليون متر مكعب دون حل، فقد يستمر السلام من الناحية القانونية؛ لكنه يضعف داخلياً على المستويين السياسي والاجتماعي. الخطر الحقيقي ليس انهيارًا مفاجئًا، بل نظام سلام فقد وظيفته وأصبح جوفاء. وبالنظر إلى التوازنات الهشة في الشرق الأوسط، لا ينبغي إغفال أن مثل هذا التآكل الصامت قد يكون له عواقب أكثر تدميرًا على المدى الطويل من الأزمات العلنية.
18/01/2026
image_print

التأثير والنطاق والنتائج المحتملة

غالباً ما يُناقش السلام في الشرق الأوسط من حيث الحدود والترتيبات الأمنية والتوازنات العسكرية. ومع ذلك، فإن العنصر الأكثر هشاشة والأكثر حسماً في الوقت نفسه في السلام بين الأردن وإسرائيل لا يكمن في الخرائط بل في خطوط الأنابيب. المياه هي الرابط غير المرئي لهذه العلاقة، وفي الوقت نفسه تشكل خط الصدع الأكثر حساسية للسلام. إن تجدد الجدل حول ”50 مليون متر مكعب“ مؤخراً يتجاوز الخلاف الفني، ويثير تساؤلات أعمق حول سير السلام ومستقبله.

على عكس مبادرات السلام الأخرى في الشرق الأوسط، قدم اتفاق وادي عربة للسلام لعام 1994 إطاراً يهدف ليس فقط إلى إنهاء الصراع، بل أيضاً إلى جعل السلام جزءاً من الحياة اليومية. لذلك، تجاوز الاتفاق ترسيم الحدود والأحكام الأمنية، ووضع مورداً حيوياً وخاضعاً لإدارة مستمرة مثل المياه في صميمه. كان اتفاق إسرائيل على تزويد الأردن بحوالي 50 مليون متر مكعب من المياه سنوياً جزءاً من الهدف المتمثل في ضمان ألا يظل السلام اتفاقاً دبلوماسياً مجرداً، بل أن يكون مدعوماً بعلاقات ملموسة من التبعية المتبادلة. وفي هذا الصدد، أصبحت المياه الأساس الجوهري لفكرة أن السلام لا يمكن قياسه بالتوقيعات فحسب، بل باستمرارية الحياة اليومية.

ويشكل الافتراض القائل بأن ندرة المياه، عندما يتم معالجتها في إطار سياسي ومؤسسي مناسب، يمكن أن تشجع التعاون بدلاً من الصراع، الأساس النظري لهذا النهج. كان من المفترض أن يصبح النقص الهيكلي والمستمر في المياه في الأردن أحد العناصر الرئيسية الملزمة لنظام السلام الذي تم إقامته مع إسرائيل؛ وفي هذا الصدد، تم ربط أمن المياه في الأردن وأمن الحدود الإسرائيلية معاً في نفس المعادلة الأمنية. ومع ذلك، فإن هذا التوازن يعتمد بشكل كبير على مستوى الثقة التي توليها الأطراف للاتفاق وعلى الوفاء بالالتزامات بشكل متوقع ومستقر. إذا تآكلت الثقة، فإن قضية المياه ستصبح هيكلياً أكثر مكونات بنية السلام هشاشة.

بالنسبة للأردن، لم تعد المياه مجرد قضية بيئية منذ فترة طويلة. فمتوسط المياه المتاحة للفرد سنوياً أقل بكثير من المتوسط العالمي، وقد أدى الجفاف الذي تفاقم بسبب تغير المناخ والنمو السكاني السريع والعبء الطويل الأمد للاجئين إلى تحويل المياه إلى مجال من مجالات الضعف الهيكلي للأردن. في ظل هذه الظروف، يشكل أي انقطاع في إمدادات المياه خطرًا قد يؤثر بشكل مباشر ليس فقط على الزراعة أو البنية التحتية الحضرية، بل أيضًا على الاستقرار الاجتماعي وقدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية. لذلك، فإن الـ 50 مليون متر مكعب المنصوص عليها في اتفاقية وادي عربة ليست مجرد تفصيل فني بالنسبة للأردن؛ بل يُنظر إليها على أنها أحد المؤشرات الملموسة لقدرة الدولة وشرعيتها السياسية.

وتشير التقارير التي نشرتها الصحافة الإسرائيلية في الأشهر الأخيرة إلى أن إسرائيل قد لا تنوي توفير هذه الكمية من المياه، على الرغم من عدم تأكيد ذلك رسمياً، مما يشير إلى تآكل واضح في تصور السلام. تشير تصريحات السلطات الأردنية بأنها ”لم تتلق إخطاراً رسمياً“ إلى حالة من عدم اليقين المتحكم فيه وليس إلى انقطاع فعلي. هذا عدم اليقين يحمل رسالة سياسية أكثر منه مشكلة فنية. حتى لو استمر تدفق المياه، فإن احتمال أن يصبح هذا التدفق مسيساً في أي لحظة يضعف بنية السلام القائمة على الثقة. في هذه المرحلة، لا تركز القضية على كمية المياه المتدفقة من الصنابير، بل على مدى موثوقية الاتفاقات.

الصورة مختلفة تمامًا بالنسبة لإسرائيل. بفضل محطات تحلية المياه المتطورة، ونظام النقل الوطني الحديث للمياه، ومعدلات التسرب المنخفضة، تمكنت إسرائيل إلى حد كبير من القضاء على ندرة المياه كنقطة ضعف استراتيجية. لذلك، فإن 50 مليون متر مكعب من المياه التي يتم تزويد الأردن بها لا تمثل حاجة حيوية أو عبئًا اقتصاديًا خطيرًا على إسرائيل. ومع ذلك، ولهذا السبب بالتحديد، تعتبر المياه أداة منخفضة التكلفة ولكنها ذات قيمة سياسية عالية بالنسبة لإسرائيل. لا يتم استخدامها كعنصر ضغط صريح؛ ولكن عندما يتم طرحها على السطح، فإنها قادرة على خلق مجال للمناورة الدبلوماسية. وبهذا المعنى، فإن المياه ليست سلاحًا، بل هي رافعة صامتة تؤثر على توازن العلاقات.

ومع ذلك، هناك عقبات استراتيجية خطيرة تمنع إسرائيل من اتخاذ خطوة جذرية تتمثل في قطع إمدادات المياه تمامًا. فالأردن هو الضامن لأطول حدود إسرائيل وأكثرها استقرارًا. وقد يكون لأزمة مياه عميقة في الأردن أو الاضطرابات الاجتماعية التي قد تتبعها عواقب سلبية على البيئة الأمنية المباشرة لإسرائيل. لذلك، فإن القضية بالنسبة لإسرائيل ليست إضعاف الأردن، بل الحفاظ على الحد الأدنى من الشروط اللازمة للحفاظ على استقراره. في هذا السياق، يُنظر إلى المياه باعتبارها أقل تهديدًا للسلام وأكثر كأداة موازنة تتيح الحفاظ على السلام بطريقة خاضعة للرقابة.

تعد أمثلة باكورا (نهاريم) وغمر (زوفر) مهمة من حيث توفير نظرة ثاقبة حول كيفية تنفيذ سياسة التوازن هذه في الماضي. بموجب اتفاقية وادي عربة، كانت هذه المناطق دائماً تحت السيادة الأردنية، لكن إسرائيل مُنحت حق استخدام خاص لمدة 25 عاماً. اختار الأردن عدم تمديد هذه الفترة وفقاً للإجراءات المنصوص عليها في الاتفاقية واستعاد فعلياً هذه المناطق في عام 2019. لم تؤد هذه الخطوة إلى تعطيل السلام؛ بل على العكس، أظهرت أن الأردن قادر على إظهار إرادته السياسية دون انتهاك الاتفاقية. يعكس الموقف الحالي بشأن قضية المياه نفس النهج: لا يرغب الأردن في إنهاء السلام، ولكنه غير مستعد أيضًا لقبول أن يصبح هذا السلام عبئًا من جانب واحد.

أهم عامل يمكن أن يغير هذه المعادلة على المدى الطويل هو المشاريع التي تهدف إلى زيادة استقلالية الأردن في مجال المياه. تهدف الاستثمارات مثل خط تحلية المياه ونقلها بين العقبة وعمان، وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي، وتقليل خسائر الشبكة إلى تقليل اعتماد الأردن الهيكلي على إسرائيل. ومع ذلك، تتطلب هذه المشاريع وقتاً طويلاً وتمويلات ضخمة واستقراراً سياسياً. على المدى القصير، يظل الأردن عرضة للخطر؛ أما على المدى المتوسط، فيسعى إلى تحقيق قوة تفاوضية أكثر توازناً. خلال هذه الفترة الانتقالية، ستظل مسألة الـ 50 مليون متر مكعب على جدول الأعمال، ليس لأهميتها التقنية بقدر ما هو لأهميتها السياسية والرمزية.

ولا ينبغي إغفال نهج إسرائيل التوسعي والمتمركز حول الأمن في سياستها الخارجية، والذي أصبح أكثر وضوحاً في الآونة الأخيرة، في تعميق هذا الضعف. إن الاستخدام الأحادي للقوة الذي لوحظ في سياق غزة والضفة الغربية، وتهميش الاتفاقات القانونية والسياسية إلى أهمية ثانوية، والنهج الذي يجعل الأمن أولوية مطلقة، تشير إلى أن إسرائيل تتجه نحو خط أكثر تبايناً وقائم على الضغط في علاقاتها مع المناطق المجاورة. قد يتجلى هذا الاتجاه بشكل غير مباشر من خلال الموارد الاستراتيجية ومجالات التبعية المتبادلة، دون أن يعني ذلك بالضرورة توسعاً عسكرياً مباشراً. في هذا السياق، يمكن اعتبار الأردن أحد الأطراف التي قد تتعرض لتأثير قوة إسرائيل الإقليمية من خلال موارد حيوية مثل المياه. وينبغي فهم تسييس تقاسم المياه ليس فقط على أنه نزاع تقني ثنائي، بل كأحد العواقب المحتملة على الأردن من جراء ميل إسرائيل إلى إعادة تشكيل النظام الإقليمي وفقاً لأولوياتها الأمنية الأحادية الجانب.

ومع ذلك، فإن هذه العملية التي تتشكل حول تقاسم المياه بين الأردن وإسرائيل تحمل أهمية خاصة ليس فقط لمستقبل العلاقات الثنائية، ولكن أيضاً من حيث إمكانية أن تشكل سابقة للشرق الأوسط بأسره. إن الجفاف الذي تسارع بفعل تغير المناخ، والضغط السكاني المتزايد، والموارد المائية العابرة للحدود التي أصبحت ذات أهمية استراتيجية متزايدة، كل ذلك يزيد من احتمال انتشار النزاعات المائية في المنطقة. وفي هذا السياق، أصبحت مسألة ما إذا كانت المياه ستولد الصراع أو التعاون مسألة تعتمد على خيارات سياسية ملموسة، تتجاوز النقاش النظري. قد يكون تسييس تقاسم المياه وتحويله إلى مجال عرضة لتآكل الثقة، كما في حالة الأردن وإسرائيل، بمثابة نموذج إيجابي أو سلبي للدول الأخرى في المنطقة التي من المرجح أن تسعى إلى إبرام اتفاقات مماثلة بشأن الموارد في المستقبل. وستكون طريقة إدارة هذه العملية أحد المراجع الرئيسية التي تحدد ما إذا كانت الاتفاقات الإقليمية التي تركز على المياه ستتطور إلى آليات مؤسسية تحد من النزاعات أو إلى ترتيبات هشة تعيد إنتاج التفاوتات في القوة.

في نهاية المطاف، المياه ليست مجرد مورد طبيعي يتم تقاسمه في العلاقات بين الأردن وإسرائيل؛ إنها أحد المؤشرات الأكثر حساسية لنبض السلام. طالما أن المناقشات التي تركز على 50 مليون متر مكعب لا تزال دون حل، يمكن للسلام أن يستمر قانونياً؛ لكنه يضعف داخلياً على مستوى التصورات السياسية والمجتمعية. الخطر الحقيقي ليس حدوث انقطاع مفاجئ، بل نظام سلام فقد وظيفته وأصبح جوفاء. وبالنظر إلى التوازنات الهشة في الشرق الأوسط، لا ينبغي إغفال أن مثل هذا التآكل الصامت قد يكون له عواقب أكثر تدميراً على المدى الطويل من الأزمات المفتوحة.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.