القرن العشرون الذي لا ينتهي لإيران

إيران، التي تتعرض اليوم لهجوم إمبريالي متعجرف، قد تحولت إلى دولة منهارة لكن صورة ظلية أنقاضها لا تزال قائمة، متعثرة لكنها تعمل بطريقة ما، فقدت شرعيتها لكنها لا تزال تمسك بزمام السلطة، لا أصدقاء لها لكنها تجد الدعم في التوازنات الجيوسياسية. وبالتالي، فإن ما أعلنته أمريكا وإسرائيل الحرب عليه هو صورة إيران المتعثرة بل والمنهارة. ولا يمكن تغيير هذه الصورة بالتدخل الخارجي.
18/03/2026
image_print

لا يمكن تفسير الحرب التي تواجهها إيران اليوم بموازين القوى العسكرية وحدها، أو بالإمبريالية، أو بتاريخ بلد عاجز عن الخروج من حلقة مفرغة، أو بالمواجهات الدبلوماسية. يتشكل هذا التوتر في نقطة التقاطع بين آلام تحديث الدولة، ورواسب الثورة، وذاكرة الإمبراطورية، والخيال المجتمعي، والخوف الدائم من التدخل الخارجي. عندما يتعلق الأمر بإيران، تصبح الحرب عتبة لا تختبر فيها الحدود أو الدولة فحسب، بل السرد التاريخي، وبناء الهوية، والعقل السياسي أيضاً. لذلك، يمكن قراءة كل هجوم على إيران في طهران ليس فقط كتهديد استراتيجي، بل كتكرار تاريخي أو حلقة مفرغة. يُنظر إلى كل تدخل خارجي على أنه استمرار لخطط التقسيم والانقلابات والاحتلالات في الماضي. أما كل أزمة داخلية، فتتحول إلى فصل جديد من قصة التحديث التي لم تكتمل. لفهم إيران، لا ينبغي النظر إلى أجواء الحرب الحالية، بل إلى الإطار الفكري والتاريخي الذي يعيد إنتاج هذه الأجواء باستمرار. وفي هذه النقطة بالذات، لا يقتصر الأمر على ما تفعله إيران أو ما ستفعله، بل على كيفية رؤية إيران لنفسها وكيفية قراءتها للعالم. فإيران تكافح أزماتها وهي عالقة في دوامة، تحاول عيش الماضي عقلياً والواقع المادي في الحاضر.

مهما قلنا عن إيران، لا يمكننا تجنب الوقوع في متاهة التاريخ. فهذا التاريخ نفسه هو من ناحية مصدر الحلقة المفرغة التي تعيشها إيران، ومن ناحية أخرى مصدر «النعمة» التي تجعل إيران إيران. من جهة حضارة وتقاليد عريقة، ومن جهة أخرى دولة حديثة لم تتمكن من الظهور من أعماق هذا التاريخ العميق خلال القرون الأخيرة. من جهة الأمن الطبيعي الذي اكتسبته بفضل الإمكانات الفريدة التي توفرها جغرافيتها، ومن جهة أخرى لعنة الموارد الطبيعية التي عانت منها خلال القرن الماضي. وفي الوقت نفسه، براغماتية استثنائية تستمد من التاريخ الدين، ومن الجغرافيا السياسية المذهب، ومن الصراع السياسي العقيدة، ومن ناحية أخرى، دوجمائية تبني سجنها الخاص في كل مرة. خيال اجتماعي يتأرجح على مدى 2500 عام، غير قادر على تحقيق التزامن التاريخي بذاكرة متنقلة. تلاشي محاولات التركيز على المستقبل أو الحاضر في كل مرة بشعور الهزيمة أمام الزمن. وجود يستخرج الوعي من الألم، والحياة من الحزن. عقل حكم على نفسه بالعبودية والموتى لا يمكن دفنهم، والمدفونون لا يمكن أن يصبحوا تاريخاً، عقل حكم على نفسه بالأسر من خلال لاهوت سياسي اخترعه من دوامة. حالة ذهنية سياسية تحاول حماية نفسها من مشاكل الحاضر وتهديدات المستقبل بتحويل التاريخ إلى حنين إلى الماضي، وهو إيمان بماضٍ خالٍ من الذنوب، ولا تستطيع التخلص من وضعية الجنين التي تعتبر ملاذاً مريحاً. خيال محصور في توتر زمني، يحاول تسوية حساباته في الماضي وكسب انتصاراته اليوم.

كل هذه العوامل، بمعناها الأعم، وبصرف النظر عن الفاعلين، شكلت العناصر التي حددت شكل معظم الأزمات السياسية والاجتماعية التي عاشتها إيران منذ بداية القرن العشرين على الأقل. بعبارة أخرى، لم تستطع تحديث إيران الخروج من حلقة مفرغة تتعرض فيها باستمرار للانقطاع، ولا تستطيع تجاوز العتبة الحرجة. وحتى عندما نركز على القرن العشرين دون أن نضيع في قصة التاريخ السياسي والاجتماعي الإيراني الممتدة لمئات السنين، فإن ملاحظة هذا الوضع أمر لا مفر منه. لكن يجب أن نتحلى بالإنصاف هنا. ففي القرن العشرين على الأقل، هناك جوانب ناجمة عن الحلقة المفرغة التي عاشتها إيران، كما أن هناك تكلفة باهظة للعدوان الإمبريالي. اليوم، تواجه إيران لحظة إمبريالية أخرى عاشتها مراراً وتكراراً في القرن الماضي: بلد منهك، بل ومستنفد، منذ قرنين من الزمان، بسبب أزمة السلطة التي تتأرجح بين موسكو والعواصم الغربية.

التخبط في متاهة التاريخ

تكمن سخرية التاريخ في أن الولايات المتحدة، التي دافعت عام 1946 عن وحدة أراضي إيران في مواجهة الضغط السوفيتي، واستعانت بالأمم المتحدة لهذا الغرض، قد أطلقت اليوم محاولة احتلال دموية لإسقاط إيران. وهذا بالطبع ليس أول تدخل لواشنطن في إيران. فمنذ الإطاحة برئيس الوزراء مصدق في عام 1953 بانقلاب نظمته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA)، نشهد كيف تراكمت تدخلات أمريكا في إيران على مدى عقود لتتحول إلى خطة احتلال دموية. وإيران، التي حاولت روسيا وبريطانيا تقسيمها من الشمال والجنوب الشرقي باتفاقية شبيهة باتفاقية سايكس -بيكو، تعرضت إيران للتدخلات الخارجية منذ عام 1907. لكن في تلك الفترة التي كانت روسيا منشغلة بالحرب الروسية اليابانية وألمانيا صاعدة في أوروبا، أدى رد إيران على العدوان الذي تعرضت له من خلال ”ثورة الشرعية“ الداخلية إلى إفشال المخطط الأنجلو-روسي. خلال فترة ثورة الدستورية (1905-1911)، تعرض البرلمان الإيراني للقصف من قبل الروس. ورغم عدم حدوث التقسيم، قضت إيران السنوات التالية بأكملها بين التدخل الخارجي وأزمة التوطيد الداخلي. في هذه الفترة القصيرة التي سُجلت باسم «الاستبداد الصغير»، تم قصف البرلمان المؤيد للملكية الدستورية في إيران، كما أُعدم العديد من القادة البارزين. والجدير بالذكر هنا هو حقيقة أن إيران لم تتمكن من صد التدخل الخارجي إلا في السنوات اللاحقة، وذلك فقط في الأوقات التي كانت تتمتع فيها بسلطة شرعية داخل البلاد.

وبالمثل، في عام 1951، حدثت نقطة تحول أخرى عندما أطيح برئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق في عام 1953 بانقلاب مشترك بين وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) وجهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، وذلك على خلفية خطوته الرامية إلى تأميم إدارة موارد الطاقة التي كانت تسيطر عليها شركة النفط الأنجلو-إيرانية. ومع خسارة إيران لقيادتها مرة أخرى بسبب التدخل الخارجي، بدأت فترة بدأت فترة تم تعزيزها بدعم من الغرب. وكان هذا الانقلاب سيُمهّد الطريق لاحقًا للثورة. كما تعرضت القيادة الجديدة التي ظهرت مع الثورة الإسلامية للتدخل الخارجي مرة أخرى. أولاً، بعد عام ونصف من الثورة، شن العراق هجومًا على إيران، مما أدى إلى اندلاع أطول وأدمى حرب في القرن العشرين. وفي خضم الحرب، في عام 1981، لقي 74 شخصاً حتفهم في الهجوم بالقنابل على المقر العام لحزب الجمهورية الإسلامية، من بينهم آية الله بهشتي، أحد أهم شخصيات النظام، بالإضافة إلى وزراء ونواب. وبعد شهر واحد، لقي العديد من الأشخاص حتفهم في الهجوم بالقنابل على مبنى رئاسة الوزراء، في مقدمتهم الرئيس ورئيس الوزراء. منذ تلك الأيام، وبصرف النظر عن الحرب الساخنة، عانت إيران على مدى نصف قرن من حرب حظر تجاري قاسية للغاية، ولم تتمكن من تحقيق الاستقرار الداخلي، بل وصلت إلى ما هي عليه اليوم تحت وطأة التدخلات الخارجية.

حدثت آخر التدخلات التي عانت منها إيران مرارًا وتكرارًا في تاريخ القرن العشرين، والتي أسفرت عن فقدان القيادة، على يد الهجمات الأمريكية والإسرائيلية. من وجهة نظر إيران، لا يوجد جانب جديد في هذا التطور الذي حدث مراراً وتكراراً في الماضي، ولكن من ناحية أخرى، هناك ديناميكيات مختلفة بسبب التغييرات التي حدثت منذ عام 1979، ولا سيما في فترة ما بعد الخميني. فموجة الهجمات التي بدأت بهدف «تغيير النظام» – وهي مهمة مستحيلة – تحولت إلى حلم «تغيير الخريطة» قبل مرور أسبوع. أينما اتجهت الأمور، فإن الحقيقة الواضحة هي أن الهدف الرئيسي لعدوان الولايات المتحدة وإسرائيل هو توجيه ضربة قاسية لإيران من جميع الجوانب، وتحويلها إلى ”دولة منهارة“ مثل العراق بعد ”حرب الخليج“. وعلى عكس العراق، يُستهدف أيضًا إدخال نفط إيران، باعتباره عنصرًا مهمًا في ”إمبراطورية الطاقة“ التي تسعى الولايات المتحدة إلى بنائها، في آلية استغلال كاملة كما كان الحال قبل عام 1951.

بدأ القرن العشرين بالنسبة لإيران، متأخراً بنصف قرن من الزمان، في 20 يونيو 1951 في حرمشهر، برفع العلم الإيراني على المقر الرئيسي لشركة النفط الأنجلو-إيرانية، مما أدى إلى إنهاء الهيمنة البريطانية. لم تكن ثورة الدستورية وسقوط سلالة قاجار، ولا حكم بهلوي ومحاولات التحديث العلماني الراديكالي، ولا الاحتلال الروسي-البريطاني، أزمات متواصلة بالنسبة لإيران. كان لكل منها سياقها وأسبابها الخاصة. وبتأميم موارد الطاقة، أصبحت إيران تعيش توتراتها السياسية على مسار واحد. وكانت موارد الطاقة في قلب هذه التوترات. فقد حُكم على إيران، التي تقع في منطقة تضم ما يقرب من نصف موارد النفط والغاز الطبيعي في العالم، بالاضطراب باستثناء الفترات التي كانت تخضع فيها لنظام العلاقات الذي أقامه الغرب مع الدول النفطية. لا ينبغي أن يكون من المضلل أن إيران، بعد عام 1979، ردت على هذا الإمبريالية بشكل صريح على محور أيديولوجي نشط يتجاوز القومية، وأنها في كثير من الأحيان أنتجت ردوداً خاطئة أدخلتها في أزمة كبيرة بسبب مآزقها الأيديولوجية. بسبب تاريخ إيران وحجمها، لا يمكنها، حتى لو أرادت، الدخول في علاقة استعمارية مستمرة وثقيلة مع الغرب مثل الدول النفطية المحيطة بها. واليوم، حتى لو شهدت إيران تغييرًا جذريًا في النظام كما ترغب الولايات المتحدة وإسرائيل، فسيكون من المحتم، على الرغم من هذا التغيير، أن تبحث عن الاستقلال من جديد بعد فترة معينة من خلال تيار مختلف بفضل ديناميكياتها الخاصة.

من محور المقاومة إلى الدولة شبه المستقلة

لعب انقسامان دورًا بالغ الأهمية في عدم تمكن إيران من العودة إلى الوضع الطبيعي بعد الثورة. الأول هو قيام العراق بمهاجمة إيران وبدء حرب مدعومة من الغرب لإخماد الثورة. وخاصة في فترة ما بعد الخميني، أو بعبارة أخرى بعد حرب العراق، كان للحرب آثار دائمة وهيكلية على عدم تمكن السياسة الإيرانية من أن تصبح عقلانية أو أن تعود إلى طبيعتها. فقد تحولت مسألة البقاء، من حالة حرب، إلى وظيفة سياسية تشكل الوضع الطبيعي الدائم في إيران. ولن يكون من الخطأ القول اليوم إن حرب العراق هي التي شكلت هوية وعقلية القيادة بأكملها تقريباً. بعبارة أخرى، منذ عهد القاجار، الذي عانى من أزمة الدولة، وبدءاً من عهد بهلوي الذي بدأ لأول مرة في الوصول إلى جميع أنحاء إيران على مستوى أدنى، اكتسبت عملية الدولة التي كانت تسعى إلى إظهار أبسط مستويات المركزية والمؤسسات طبيعة جديدة مع حرب العراق. وبعيداً عن كونها دولة عقلانية، تحولت إيران، المحاصرة داخل «عالم المقاومة» الذي حبست نفسها فيه، إلى «أكبر منظمة مقاومة» في العالم. ورغم أن هذا الوضع يمكن فهمه إلى حد ما، إلا أنه أدى، بعد حرب العراق والحرب الباردة، إلى انزلاق إيران إلى مزيد من التشتت بدلاً من التوجه نحو العقلانية. وعلى وجه الخصوص، أدى تفعيل برنامجها النووي، الذي بدأ في الواقع في عهد الشاه، إلى إغلاق أبواب العقلانية أمامها. ومع هذه الفترة، دخلت إيران في مرحلة «عزلة تامة». لكن النقطة التي لا ينبغي إغفالها هنا هي أن إيران لم تُعرض للعزلة على يد الغرب وإسرائيل فحسب. فقد عاشت طهران في وقت واحد ثلاث حالات من العزلة، اثنتان منها من صنعها هي. ومع ظهور العزلة الإقليمية والوطنية إلى جانب العزلة الدولية، دخلت إيران في حلقة مفرغة لا مخرج منها.

وكان العراق مرة أخرى هو المحور الثاني لهذه الحلقة المفرغة. فبدلاً من أن تنظر إيران إلى غزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003 على أنه تهديد وطني وإقليمي، اعتبرت الغزو فرصة لتوسيع نطاق نظامها الذي ظل مسدوداً لسنوات. وبمرافقة سياسة طائفية، قامت بتشفير التوتر الجيوسياسي الذي تعاني منه كاستراتيجية، وتدخلت في العراق بدافع جوع دام عقوداً. خلال احتلال إسرائيل للبنان في الثمانينيات، قامت بنقل استخدام القوى بالوكالة – الذي ظهر في ظل ظروف فريدة للغاية – مباشرة إلى العراق على مستوى الدولة، مما فتح صفحة جديدة مليئة بالمشاكل. وقد أطلقت هذه الصفحة حقبة أصبح فيها عزل إيران الإقليمي محاطاً بجدران سميكة. فمن المحتم أن يؤدي السعي إلى السلطة في دولة عربية من خلال الديناميكية الطائفية إلى تحريك ردود الفعل الطائفية والعرقية الإقليمية في الوقت نفسه. ومع تزايد قوة هذه الانعكاسات، ازداد عزل إيران الإقليمي. ومع إنفاق الموارد لتمويل ”الهلال الشيعي“، تقلصت سبل عيش ملايين الإيرانيين، وزاد انعزال إيران الإقليمي، والأهم من ذلك كله أنها قطعت إلى حد كبير التعاطف الإقليمي الذي اكتسبته بالثورة، بل وحتى الروابط العاطفية والفكرية مع الحركات الإسلامية. من ناحية أخرى، بصفتها أكبر دولة خاضعة للحظر في العالم، ازدادت المطالب الاجتماعية في إيران خلال العقود الماضية. ومع ازدياد المطالب، ظهرت ”العزلة الكاملة“ كنتيجة لتوضّح ردود الفعل التنظيمية والتحول إلى دولة أمنية بحتة. ومن ناحية أخرى، مع تزايد التوسع الإقليمي (العراق، لبنان، سوريا، اليمن)، كانت إيران، مثلما يحاول لاعب كمال أجسام أجهزته على وشك الإفلاس إخفاء حالته من خلال استعراض قوة مصطنع، تظهر في النهاية حيوية خارجية تخفي أمراضاً لا علاج لها.

سعت إيران إلى استغلال الحرب الثانية على العراق كفرصة كبيرة، لكنها في الواقع حققت انتصاراً طائفيّاً هشاً سيتحول مرة أخرى إلى لعنة. وعلى الرغم من كل هذه الأخطاء الجسيمة والحتمية الناجمة عن عقلية المنظمة، ظهرت أمام إيران فرصة أخرى: الثورات العربية. إيران، التي أصابها الذعر في مواجهة التغييرات الإقليمية، انجرفت مرة أخرى إلى خطأ فادح، حيث اتخذت موقفاً معادياً للمطالب الإقليمية التي أدت إلى اندلاع الربيع العربي، بدعوى أن «محور المقاومة» الذي تعتبره فناءها الخلفي الجيوسياسي يقاوم، وأبدت ردود فعل تشبه محور إسرائيل-الخليج. في حين أن إيران، خاصة في سوريا التي تحولت إلى المسمار الأخير في نعش الربيع العربي، لو اتخذت موقفاً صحيحاً، لكان من الممكن أن تكون إيران والمنطقة اليوم في وضع مختلف تماماً. ولو كانت قد دعمت التغيير بدلاً من السعي لإبقاء دكتاتورية الباس في سوريا قائمة، لما كانت فلسطين ولا لبنان ولا إيران نفسها على حالها اليوم. وقد أدت سياسة إيران، التي تخدم عدم تسامح إسرائيل مع أي دولة تتمتع بشرعية ديمقراطية حول حدودها، إلى مقتل ما يقرب من مليون شخص في سوريا. في العراق، بدلاً من ترسيخ تقسيم سياسي طائفي وعرقي بدائي، كان من الممكن فتح الطريق أمام كان من الممكن فتح الطريق أمام التطبيع. وفي لبنان، كان من الممكن فتح الطريق أمام لبنان الذي يتطلع إلى التطبيع، وهو ما لا ترغب فيه إسرائيل، بدلاً من إفساح المجال أمام قوة مسلحة لا تملك القدرة على خوض حرب عسكرية مع إسرائيل لتعطيل السياسة الداخلية للبلاد بعد انتهاء الاحتلال. لكن بدلاً من كل ذلك، فإن إيران، التي تؤمن بأنها تستطيع استقطاب القوة الجيوسياسية من خلال السعي وراء يوتوبيا ”محور المقاومة“، كلما استثمرت في المنظمات الوكيلة والجماعات شبه العسكرية، سلمت طهران نفسها لعقلية منظمة. في النهاية، أصبحت إيران ”دولة شبه دولة“ تضم عدة جيوش وقوات شرطة في آن واحد، ومؤسسات سياسية تعاني من فوضى في السلطات، واقتصاداً يتسم بوجود عدة أسعار مختلفة للعملة الأجنبية، و«دولة موازية» يذكرنا بعهد القاجار في مطلع هذا القرن، حيث يحافظ الجميع على سيطرتهم الإقطاعية في المجال أو القطاع الذي يسيطرون عليه. وبالتالي، تم بناء «عزلة كاملة» ضمن نظام وصاية ثقيل ومعقد قائم على نظام انعدام الثقة التام بين المراكز المتوازية.

العزلة الكاملة: تشريح ثلاث حصارات

هناك مسألة أخرى مهمة هنا، وهي أن التواجد في حرب وكالة متواصلة قد ضمن تعزيز الكوادر العسكرية الإيرانية بشكل مستمر. وقد أدى آلية التعزيز هذه، بسبب الأرضية الاقتصادية-السياسية ومسار الترقي الوظيفي اللذين أوجدتهما، إلى تسميم التدفق المؤسسي من جهة، ومن جهة أخرى إلى ترشيد الاستثمار في القوى الوكيلة، مما أدى في مرحلة ما إلى إعاقة انتهاء حروب الوكالة.

من ناحية أخرى، أدى مشكل ”غياب الحزب الحاكم“ الذي ظهر في تلك البلدان في أعقاب ثورات اجتماعية أخرى في العالم خلال الفترة نفسها، إلى إقحام تركيز القوة في المجال السياسي في حالة من الفوضى. وقد أدى ذلك إلى أن تصبح السلطات أكثر تشتتاً، وقائمة على التحالفات وتوازن الوصاية، مما أدى إلى مشاكل في استمرار وجودها من خلال الانقسامات الحزبية. وبمرور الوقت، بدأ يطلق على الرئيس وحكومته اسم ”الحكومة“؛ وفي المقابل، بدأ يطلق على مجموعة المؤسسات الموازية الشبيهة بالشبكة، والتي تخضع لسلطة الزعيم غير الرسمية والتقديرية، اسم ’الدولة‘ أو ”النظام“. لقد دفعت العزلة التي عاشتها إيران على مدى عقود طويلة بها ليس فقط إلى خارج التطورات العالمية، بل إلى خارج التاريخ نفسه، حيث قطعتها عن إيمانها بأن أفعالها يمكن أن تشكل مستقبلًا. وفي مجتمع يقع خارج التاريخ، تضيق السياسة، وتتسع الحنين إلى الماضي، ويبدأ حتى الحرب في الظهور كشكل عنيف من أشكال العودة إلى التاريخ.

في هذه الفترة، أقنعت إيران نفسها بأنها تحولت فعلياً إلى قوة جيوسياسية جادة نتيجة لاستثماراتها، حيث أعطت أهمية كبيرة لقدرة أي منظمة على زعزعة استقرار دولة أو منطقة أو خطوط الصدع الاجتماعية أو الاقتصاد بسهولة تامة وبتكلفة منخفضة. كلما استثمرت في القوى بالوكالة، أضعفت قوتها الأساسية؛ وكلما شكلت طبيعة علاقاتها مع الفاعلين الوسطاء، عمقت أزمة الثقة مع شركائها الحقيقيين؛ ومع إدمانه على عالم الاستخبارات، فقد قدرته الدبلوماسية التقليدية بسبب تكتيكات حرب العصابات التي حولها إلى أسلوب في صنع السياسة. وعندما أراد إغلاق هذه الجرح النازف والعودة إلى الوضع الطبيعي، دخل في أزمة شرعية داخل البلاد بسبب الاقتصاد السياسي المرير لوضع الدولة السرية السائدة؛ ولم يتمكن من إقامة علاقات سليمة مع جيرانه والعالم، فزاد تنظيمه قليلاً في كل مرة.

أمضت إيران العقد الذي أعقب الثورة في عالم الحرب المفتوح عليها، وأمضت العقد التالي في محاولة لتعويض التكاليف الباهظة لهذه الحرب. كانت التسعينيات، في الواقع، من ناحية ما، سنوات شهدت عملية أو توترًا مضادًا للثورة. كانت هذه الفترة، مع وصول أسعار النفط إلى مستويات منخفضة تاريخية، سنوات كانت الموارد فيها محدودة. -رفسنجاني، شهدت إيران فوز حاتمي، الذي كان يُنظر إليه على أنه شخصية ديمقراطية في خضم نقاشات حول الليبرالية الاقتصادية والحقوق والحريات الأساسية، بفوز ساحق في الانتخابات ضد النظام القائم (بمشاركة بلغت 80% وحصوله على 70% من الأصوات). وقد أتيحت لإيران مرة أخرى فرصة لكسر تاريخها المشؤوم. في هذه الفترة التي هبت فيها رياح الليبرالية في العالم، بذل حاتمي جهوداً لكسر عزلة إيران الدولية والوطنية. وأعاد إقامة العلاقات مع بريطانيا لأول مرة بعد عام 1979. وفي حين نجح في تحقيق تخفيف جزئي للحظر الاقتصادي مع كلينتون، أصدرت الولايات المتحدة في تلك الفترة بياناً يمكن اعتباره نوعاً من الاعتذار عن انقلاب عام 1953. بعد أحداث 11 سبتمبر، تلاشت محاولات «شهر العسل» الخجولة مع الولايات المتحدة، بشكل ساخر، عندما أدرج الرئيس الأمريكي الجديد بوش، الذي أطلقوا عليه لسنوات لقب «الشيطان الأكبر»، إيران ضمن «محور الشر». بعد ذلك، عاد إيقاع تاريخي مثير للاهتمام خاص بإيران إلى الظهور. كان صعود الصقور في الولايات المتحدة يشير إلى أن المحافظين في إيران سيعودون إلى القوة. وهذا ما حدث بالفعل. فاز المحافظون في انتخابات البلديات عام 2003، وفي انتخابات مجلس الشورى عام 2004، وفي انتخابات الرئاسة عام 2005.

انتهى مسار الثورة المضادة في إيران، لكن المحافظين أنفسهم لم يعودوا يعرفون ما هي الصفحة الجديدة التي انفتحت. فجأة، وجدت إيران نفسها في فضاء جيوسياسي واسع لا تستطيع إدارته، بعد أن أطاحت الولايات المتحدة بطالبان وصدام، اللذين كانت تعتبرهما عدوين لها. من ناحية أخرى، تزامنت هذه السنوات مع السنوات التي شهدت ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية تاريخية، بعد أن ظلت أقل من 20 دولاراً في الفترة من منتصف الثمانينيات وحتى الألفية. في السنوات التي أعقبت تغيير السلطة في إيران، وصل سعر النفط إلى 150 دولاراً، مما أتاح إمكانية تمويل ”الثوريين الجدد“ وأنشطتهم في المجال الجيوسياسي الذي انفتح مع غزو العراق بطريقة غير مسؤولة. وفي الوقت نفسه، بينما ظهرت إمكانية ميزانية خادعة، كانت الديناميات الاقتصادية في الواقع تدخل في مرحلة من التدهور الذي لا رجعة فيه.

وفي الفترة نفسها، نشأت أزمات اقتصادية كانت تحرك الشوارع بانتظام، وأدت في النهاية إلى خروج التجار إلى الشوارع (يوم الأحد) لأول مرة منذ عام 1979. وتم تنفيذ حركة نقل رأس المال، التي تُعرف في الأدبيات باسم بناء القطاع العام غير الحكومي، مع انتخاب أحمدي نجاد. في حين حصلت العديد من المراكز الموجودة داخل النظام بديناميات مختلفة (المؤسسات الثورية، ومؤسسات الدعم الديني والاجتماعي، وصناديق الأصول والتقاعد، والهياكل العسكرية الموازية، وما إلى ذلك) على حصتها من نقل رأس المال المذكور، فإنها أقامت أيضاً نظام الفساد المؤسسي الفائق وعدم الكفاءة الذي أصبح هيكلياً في الاقتصاد. أدى هذا الوضع إلى ظهور اقتصاد لا يمكن إدارته فعلياً حتى لو كان ذلك مرغوباً. ومع مرافقة نظام الحظر الغربي الشديد، تقلصت البنية التحتية الصناعية والإنتاجية بشكل خطير، واتجه الاقتصاد بشكل أساسي نحو موارد الطاقة والمعادن، في حين ازدادت الأنشطة الاقتصادية الرمادية المكلفة للغاية للتغلب على العقوبات. أدى هذا الوضع إلى تحويل التقشف إلى أداة إدارة مستمرة، وأنتج آلية ربح لا تصدق لمن يتمتعون بامتيازات الوصول، في ظل ندرة بكل المقاييس. في بلد يضطر فيه ثلث الأسر إلى العيش تحت خط الفقر، ظهر نظام يصفه الإيرانيون بـ”اقتصاد المقاومة“، بينما يعيش الشعب في حرمان لا نهاية له. ونتيجة لذلك، حُكم على إيران بدخل أقل حتى من دخل الفرد في العراق، الذي قضى فعلياً 30 عاماً من نصف القرن الماضي تحت وطأة الحرب النشطة والاحتلال والصراع الداخلي والحظر الشديد.

المرشد «الجديد»، نفس الاسم: انتصار الوصاية العسكرية

في ظل هذه الظروف، لم يكن النظام يعاني من أزمة شرعية كبيرة، على الرغم من جميع مشاكله وفجوة الديمقراطية، بما في ذلك انتخاب أحمدي نجاد في إيران. إيران، التي كادت أن تهدر سنوات كانت فيها الظروف العالمية وأسعار الطاقة والديناميات الإقليمية هادئة إلى حد كبير ومفيدة لطهران، واجهت أزمة شرعية كبيرة بسبب التكاليف الاجتماعية والاقتصادية الباهظة التي نتجت عن ذلك. انخفضت نسبة المشاركة في الانتخابات، بدءاً من انتخابات مجلس الشورى لعام 2020 وحتى اليوم، إلى أقل من 50 في المائة في جميع الانتخابات، مما كشف فعلياً عن انفصال الشعب عن النظام السياسي في البلاد. وكما هو الحال مع وجود عدة أسعار مختلفة للعملة الأجنبية، تشكلت شرائح تعيش في عوالم منفصلة داخل البلاد. فقد انفصلت إيران التي تعيش فيها الجماهير العريضة تماماً عن إيران التي تعيش في عالم محور المقاومة وتستغل امتيازاتها في مجال المراجحة الناجم عن العقوبات وسوء الإدارة. وقد ترك ”المحرومون“ و”المستضعفون“، الذين وعدتهم الثورة بالعدالة الاجتماعية، أماكنهم لـ”الموافقين“ القادرين على استخدام الامتيازات في النظام.

وعلى الرغم من كل هذا الاستقطاب الشديد، بل والتفكك، لا ينبغي أن ننسى أن هناك دعماً جماهيرياً معيناً كافياً لاستمرار النظام الحالي في السلطة، بقدر ما هناك أدوات أمنية ستبقي الحكم قائماً في إيران. علاوة على ذلك، مع تحول عدوان الولايات المتحدة وإسرائيل بسرعة من هدف تغيير النظام الذي يشكو منه الشعب بالقوة إلى تغيير حدود إيران، انتقلت النقاشات حول الشرعية داخل البلاد إلى أرضية مختلفة تماماً، مما أدى إلى ظهور رد فعل لحماية الوحدة الداخلية في مواجهة التهديد الخارجي.

على الرغم من كل أزماتها، لن يكون من الواقعي الادعاء بأن النظام الإيراني أصبح معزولاً مثل الشاه. وبالمثل، من الواضح أن النظام الإيراني لن يتردد في استخدام العنف على نطاق واسع، وهو ما لم يستطع الشاه استخدامه عندما دخلت سلطته في أزمة، تماماً كما هو الحال في سوريا. إيران، التي تتعرض اليوم لهجوم إمبريالي متعجرف، قد تحولت إلى دولة منهارة لكن صورة أنقاضها لا تزال قائمة، متعثرة لكنها تعمل بطريقة ما، فقدت شرعيتها لكنها تحافظ على سلطتها، لا أصدقاء لها لكنها تجد الدعم في التوازنات الجيوسياسية. وبالتالي، ما أعلنته أمريكا وإسرائيل الحرب عليه هو صورة إيران المتعثرة بل والمنهارة. ولا يمكن تغيير هذه الصورة بالتدخل الخارجي. فإيران، كما في تاريخها، ستقرر مسارها النهائي من خلال ديناميكياتها الداخلية.

تظهر الحرب التي شنتها أمريكا ضد إيران، من جميع النواحي، كظاهرة جديدة لم يسبق لها مثيل في الأعراف الدولية، على الرغم من جميع مشاكل العالم وانتهاكاته على مدى الثمانين عاماً الماضية. على الأقل، لا يوجد مثال مشابه في الفترة التي أعقبت عام 1945. نحن نواجه حرباً تقلب علاقة الدولة المهيمنة والدولة التابعة رأساً على عقب من جهة، ومن جهة أخرى لا تهدف إلى تحقيق أهداف سياسية، بل تم شنها لمجرد امتلاك قوة جامحة. إنها حرب لا يُلتفت إلى عواقبها الجيوسياسية والاقتصادية، سواء على الصعيد الإقليمي أو العالمي، وتستمر كل يوم تقريبًا بجدية متناقصه وتناقض غير مسبوق. لم يشهد العالم من قبل أن تُعالج الحرب بهذه الطريقة المهرجية في يد قوة مهيمنة. لقد تحول الإدارة الأمريكية ونخبتها، وكأنهم مصابون بالطفيليات الاستراتيجية التي زرعتها إسرائيل في عقولهم، إلى جورج بيرجيرون في قصة فونيجوت الديستوبية. وهم، بينما ينجرفون نحو حرب إيران، يرون الحقيقة لكنهم عاجزون عن فهمها. فكل ذرة من الحس السليم تتلاشى على الفور بسبب الضجيج الصهيوني الذي ينفجر في آذانهم، تماماً كما في قصة فونيجوت. لكن هذا الوضع لا يكفي لتفسير إعلان الولايات المتحدة الحرب على إيران تحت الأسر الصهيوني. لأن تدخلات الولايات المتحدة في إيران قد حدثت على مدار ثلاثة أرباع قرن من الزمان وبشكل مستمر. لم تكن إيران بمنأى عن التدخلات الخارجية سواء عندما شرعت في هندسة تحول علماني مجتمعي متعصب وغير مسؤول على غرار الفترة الكمالية المتطرفة في أوائل القرن الماضي، أو عندما قامت بتعقلن علاقاتها مع الغرب.

عندما ننظر إلى الصراع مع إيران ككل، يمكن اعتبار عدوانية الولايات المتحدة استراتيجية متواصلة. في الفترة الممتدة من عام 1951 وحتى السنوات التي أعقبت الثورة، تم تطبيق حرب هجينة أو غير متكافئة باستخدام أدوات مثل الانقلابات والضغط الاقتصادي والقوى بالوكالة واستخدام الفاعلين الإقليميين والتلاعب السياسي، مع تجنب الصراع المباشر. أما الهجمات المفتوحة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل اعتبارًا من يونيو 2025، فقد اتخذت شكل الحرب التقليدية بين الدول، لكن هذه ليست فترة جديدة، بل هي استمرار مباشر وواضح لنفس العدوانية الاستراتيجية. العنصر الأساسي الذي يربط بين الفترتين هو هدف إبقاء إيران تحت السيطرة والضغط المستمرين. وبالتالي، فإن هجوم الولايات المتحدة على إيران ليس تطوراً جديداً بقدر ما هو استمرار للحرب التي تخوضها منذ 75 عاماً. واليوم، من وجهة نظر إيران أيضاً، فإن الأزمة لا تكمن في الدمار الفوري الناجم عن العدوان الأمريكي الأخير بقدر ما تكمن في كيفية قيام طهران بإزالة الأنقاض السياسية والاقتصادية والاجتماعية والجيوسياسية في أعقاب ذلك.

بالإضافة إلى ذلك، تتمتع الهياكل الاستبدادية التي ترتكز جذورها على الثورات الاجتماعية بقدرة أكبر بكثير على البقاء مقارنة بالتدخلات الخارجية أو الانقلابات العسكرية. وكما يتضح من أمثلة مماثلة، فإن هذا النوع من الأنظمة يبني بمرور الوقت نخبة حاكمة متجانسة وأجهزة قمع تعمل بولاء لا يتزعزع. وإيران هي واحدة من أكثر المظاهر نموذجية لهذا النمط التاريخي. ومع ذلك، فإن هذه البنية، على الرغم من أنها تبني أرضية للمقاومة، يجب أن تصل في مرحلة ما إلى لحظة تسمح بتحقيق الاستقرار في بلد بحجم إيران، والبدء في توليد الرخاء، وكسب الأصدقاء. وإلا، فحتى لو صمدت بنية إيران لفترة قصيرة أمام الضغوط الخارجية، فإنها ستواجه الأزمة الحقيقية من خلال آلام الاستقرار الداخلي.

لقد مر أسبوعان على الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران. وقد باءت بالفشل العديد من التوقعات التي ظهرت مع اندلاع الحرب. من ناحية أخرى، تأكدت توقعات أولئك الذين يقرؤون إيران بجدية من خلال السياق التاريخي والاجتماعي والجيوسياسي الذي توجد فيه. صحيح أن إيران، من حيث الإدارة، أصبحت في الوضع الذي وصلت إليه اليوم غير قابلة للدفاع عنها نتيجة للأخطاء الفادحة التي ارتكبتها على مر السنين. لكن هذا الوضع لا يمكن أن يبرر بأي شكل من الأشكال الهجوم الوحشي الذي شُنّ ضد إيران. ولا تمثل «فترة ما بعد الثورة الإسلامية» قوساً كبيراً ضمن دوامة الأزمات التي امتدت في إيران لما يقرب من قرنين. ولا ينبغي إغفال أن إيران تعرضت لتدخلات خارجية مماثلة سواء عندما مرت بفترة علمانية متطرفة، أو عندما كانت تحاول اتخاذ أولى خطواتها نحو الديمقراطية. فلم تكن لخطط الاحتلال والاستعمار الروسية-البريطانية في القرن العشرين، ولا لاستراتيجيات إخضاع إيران التي استمرت 75 عاماً وتنفذت بتدخل الولايات المتحدة، صلة كبيرة بميول إيران الأيديولوجية. وكما هو الحال في الأمثلة الأخرى، فإن المحور المحدد الحقيقي هو طبيعة العلاقة بين طهران والقوة أو المحور المتدخل. إن مطلب «الاستسلام الكامل» الذي تتردده الولايات المتحدة اليوم بفخر هو بالضبط هذا. وهنا تكمن الأزمة. إيران، بحجمها وتاريخها وخيالها الاجتماعي وعلم اللاهوت السياسي الخاص بها، ليست دولة قادرة على تحمل ”الاستسلام الكامل“ حتى لو أرادت ذلك. لا يمكن لإيران تحقيق انتصار عسكري على الولايات المتحدة. لكن لا يمكن للولايات المتحدة أيضاً أن تخرج من إيران إدارة خليجية، أو حتى ألمانيا أو اليابان ما بعد الحرب العالمية الثانية.

كل هذا يجعل من الصعب توقع الاتجاه الذي سيتخذه المسار بسبب ديناميكية جديدة يمر بها العالم بأسره، ويصل بالغموض إلى أقصى درجاته. تنبع هذه الديناميكية من إدارة واشنطن التي تُختبر لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة. هذه اللامسؤولية، التي لا تكترث بأي من الأعراف، ولا بالقانون الدولي إن لم يكن بالحد الأدنى من الشرعية، ولا بالعلاقات العالمية والتوازنات الجيوسياسية، والتي لا يمكن وصفها إلا بالخداع والغرور، تقلب الساحة العالمية والإقليمية رأساً على عقب. لا تملك إيران ولا بقية العالم أي فرصة للتدخل في عملية تحول الولايات المتحدة من إمبراطورية إلى دولة قومية تشبه شركة تجارية فظة. علاوة على ذلك، فإن ”المشكلة الأمريكية“، التي أصبحت تتصدر قائمة المشاكل العالمية بل والتهديدات، تُحسّ في منطقتنا بمضاعف ”المشكلة الإسرائيلية“. العالم على الأقل لديه إمكانية معالجة ”المشكلة الأمريكية“ مع واشنطن في كثير من الأحيان على مستوى ثنائي وإيجاد حل لها. لكن منطقتنا مضطرة للتعامل في الوقت نفسه مع ”المشكلة الإسرائيلية“ التي تحول أزمة تحول أمريكا من إمبراطورية إلى دولة قومية إلى فرصة، وتسيطر بالمعنى الحرفي للكلمة على سياسة الولايات المتحدة الشاملة في الشرق الأوسط. وغدًا، حتى لو أوقفت الولايات المتحدة حربها، فلا داعي للقول إن إسرائيل ستستخدم إيران الآن كساحة حرب مثل غزة ولبنان.

إن مقتل خامنئي في الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي هو في جوهره نجاح تكتيكي وليس استراتيجي. فبسبب تعقيد شبكة القيادة الإيرانية، وغياب استراتيجية واضحة وراء خطوة واشنطن هذه، لم يتغير ميزان الحرب من الألف إلى الياء. صحيح أن حرباً بلا هدف تنطوي على مآزق بالنسبة للولايات المتحدة. واشنطن عالقة حالياً في معضلة هوبزية: إما أن تخفف التوتر وتخاطر بالضعف، أو أن توسع الحرب دون هدف وتقع في فخ من النوع الذي واجهه جونسون خلال حرب فيتنام. لكن على عكس ما يُعتقد، فإن حرباً بلا هدف قد تكون أكثر تدميراً لإيران من حرب ذات إحداثيات محددة. وخاصةً إن حرباً لا هدف جيوسياسي لها قد تتجه نحو استراتيجية غزو وتدمير كاملة، مما قد يترك إيران تواجه تكلفة اقتصادية واجتماعية باهظة لسنوات طويلة. ومن ناحية ما، يمكن القول إن مسار تحول العراق إلى دولة منهارة تماماً بعد حرب الخليج هو الاحتمال الأرجح بالنسبة لإيران أيضاً. في المرحلة الراهنة، لن ينهي الحرب الساخنة المستمرة لا يأس إيران ولا التفوق العسكري المطلق للولايات المتحدة. يبدو أن الديناميكية الوحيدة التي ستنهي الحرب هي سوق الطاقة العالمية. تستفيد إيران، التي تهدد البحر الأحمر عبر الحوثيين، من موقع جغرافي فريد يمكنها من الضغط على سلاسل الإمداد العالمية من جانبي شبه الجزيرة العربية. تحاول هذه الاستراتيجية الحربية غير المتكافئة إجبار واشنطن على التوصل إلى اتفاق من خلال الضغط على أسعار الطاقة، وليس بالقنابل. تحاول.

رؤية زائدة، نقص في القدرات: مآزق الحرب

لا يوجد مخرج عسكري لإيران. قد يكون المخرج الوحيد الذي يبدو في المدى القصير والمتوسط لإيران، التي تعيش منذ سنوات تحت ”عزلة تامة“، هو كسر هذه العزلة. لا يمكن لطهران، في هذه المرحلة، أن تبادر بأي شيء سوى التخفيف من ”عزلها الدولي“ من خلال الحصول على إمدادات عسكرية محدودة للغاية من دول مثل الصين وروسيا. وهذا لن يغير بشكل جدي طبيعة ومشاكل عالم العقوبات القاسية الذي تعيش فيه. ثانياً، يتعين عليها كسر ”العزلة الإقليمية“ التي ساهمت هي نفسها بشكل كبير في تكوينها. لكن تخفيف العزلة الإقليمية لن يكون سهلاً بعد الهجمات التي شنتها حتماً ضد جميع دول الجوار، وبعد الذكريات الحية لما بعد عام 2003. هنا، هناك مجالان يمكن لإيران أن تستفيد منهما إذا تمكنت من ذلك. الأول هو أنه على الرغم من الحرب الدائرة، فإن دول المنطقة، باستثناء الإمارات العربية المتحدة، لا ترغب في إيران ضعيفة وذات قدرة أكبر على توليد الأزمات. من ناحية أخرى، تدرك الدول ذات الحجم المحدد في المنطقة أنه بعد سيناريو ”إيران المنهارة“، ستتحول إسرائيل بسرعة من مشكلة إلى تهديد. يمكن لإيران أن تزيل جزئياً عزلتها الإقليمية على المدى المتوسط من خلال هاتين الديناميكيتين. ولكن لكي يحدث ذلك، يجب على إيران أن تتعامل مع دول المنطقة بشكل قاطع من دولة إلى دولة، وليس من خلال القوى بالوكالة. يجب على طهران، في الوقت الذي تتعرض فيه بلادها نفسها لتهديد كبير، أن تتخلص من هوسها بتحديد موقعها وعمقها في الجغرافيا السياسية الإقليمية من خلال الجهات الفاعلة بالوكالة والمقاولين. ويمكنها هنا أن تضع اليمن على جدول أعمالها لاحقاً بسبب وظيفته كأداة. لكن عليها أولاً أن تمهد الطريق لتطبيع جديد في العراق، وكذلك في لبنان.

وأخيراً، يتعين على إيران «كسر عزلتها الوطنية». في الواقع، هذه هي الفرصة الوحيدة المتاحة لطهران للانفتاح. فهذه العزلة هي مشكلة نسجتها إيران بنفسها من الألف إلى الياء. طهران دولة لم تتمكن منذ بداية القرن العشرين من إنهاء آلام التطبيع. هذه الحرب تقدم لإيران في الواقع فرصة على طبق من ذهب. علاوة على ذلك، وعلى عكس العزلين الآخرين، فإنها تمتلك إمكانية تهدئة أزمتها الوطنية على المدى القصير وتطبيعها على المدى المتوسط، إذا رغبت في ذلك. لم يعد هناك جانب قابل للإدارة في الأزمة التي تعاني منها الإدارة الإيرانية منذ سنوات. في الواقع، كان نظام ولاية الفقيه، الذي انتهى بوفاة الخميني، نظامًا تم السعي لإبقائه قائمًا لسنوات في ظل وقت وإرادة مستعيرين. في جوهره، لا يمثل نظام ولاية الفقيه أو وجود منصب على غرار «ولي الفقيه» في نظام سياسي ما مصدرًا للأزمة. فوجود فجوة ديمقراطية أو عدم كون النظام ذو طبيعة ديمقراطية ليبرالية معروفة أو ما شابهها لا يعني أنه نظام حكم غير مقبول. تكمن المشكلة في إيران في الفوضى الناجمة عن وقوف ولي الفقيه على رأس النظام من جهة، بينما يتم استغلال إرادته من قبل عشرات المؤسسات الوصائية المختلفة، والهياكل الموازية، ومراكز الامتيازات من جهة أخرى. بعبارة أخرى، وكأنه آلية ديستية، على الرغم من وجود منصب أعلى وأقوى بل وروحي، إلا أنه لا يتدخل فعلياً في سير العمل اليومي والقرارات الحيوية، بل يدير عالم وصاية ثقيل من خلال وسطائه. وبعبارة أخرى، يمكن الحديث عن منصب قيادي يستخدمه نظام الوصاية الثقيل، بدلاً من نظام يديره «ولي الفقيه» بإرادة كاملة. في هذه المرحلة، في إيران، من الممكن إساءة فهم التحول الذي حدث في الحكم بعد عام 1988، دون إدراك تشكل مصفوفة سلطة جديدة بسبب الجنود العائدين من الجبهة بعد انتهاء حرب العراق. وقد أدى التطور الذي حدث في تلك الفترة، والذي شكل الأزمة الحالية، إلى إخضاع نظام ولاية الفقيه الذي بدأ مع الخميني لتحوّل جذري. بعبارة أخرى، فإن النظام، بدلاً من كونه «نظام الملالي» الذي يُصوَّر بشكل نمطي للغاية في الغرب، هو مجال سلطة علماني نموذجي يعمل في عالم يتسم بتركيز القوة الشديد والتنافس.

على الرغم من أن إيران تبدو وكأنها تُدار من قبل «ولي الفقيه»، إلا أن القوة الحقيقية انتقلت بشكل أساسي إلى الحرس الثوري بعد عام 1988. وقد كان لخطوة رفسنجاني بعد حرب العراق، التي هدفت إلى إبعاد الحرس الثوري عن السياسة من خلال دمج الجيش في عملية إعادة إعمار البلاد بعد الحرب وإجراء تحويل اقتصادي كبير، دور فعال في ظهور هذا الوضع. وقد توسعت سيطرة الجيش على القوة الاقتصادية، وهي آلية معروفة جداً في الأنظمة العسكرية، خلال فترة أحمدي نجاد من خلال عمليات الخصخصة (أو بالأحرى عمليات نقل القوة الاقتصادية إلى جهات شبه رسمية) والتعيينات السياسية. ونتيجة لذلك، على الرغم من ظهور المرشد الأعلى أو رجال الدين على قمة النظام، أصبح الجيش مركز القوة الحقيقي. ويشكل هذا التحول أحد أهم المشاكل الأساسية التي تواجه إيران اليوم في إدارة التهديدات التي تواجهها. لكن هذه المشكلة هي في الوقت نفسه مأزق لا يوجد لإيران حل له.

تشهد إيران تغييرًا في منصب «ولي الفقيه» للمرة الثانية بعد الثورة الإسلامية. ورغم أن ذلك لا يُذكر كثيرًا هذه الأيام، إلا أنه في مايو-يونيو 1989، أثناء التغيير الأول للمرشد الأعلى، دارت نقاشات حادة لا يمكن مقارنتها بالمرحلة الانتقالية التي أعقبت رحيل خامنئي. فقد تم إلغاء الأساس القانوني فعليًا، ولم يتم العثور على «آية الله» لشغل المنصب في إيران، فقد اضطروا، بعد التنافس بين الأطراف، إلى التوصل إلى اتفاق على اسم ضعيف وغير مؤهل دستوريًا كـ”حل مؤقت“، وبذلك حلوا المشكلة مع خامنئي. والجانب المثير للاهتمام هنا هو وجود براغماتية سياسية في العديد من القضايا في تلك الفترة، مثل تعديل الدستور وإعادة هيكلة الصلاحيات قانونيًا وإلغاء منصب رئيس الوزراء. اليوم، تقف إيران عند نقطة تحول مماثلة.

كان تطبيق نظام الملكية، الذي عارضه الخميني صراحةً، أكبر دمار ألحقته إيران بنفسها منذ بدء الحرب. ناهيك عن أن انتخاب مجتبى خامنئي لم يكن في الواقع تطوراً غير متوقع. لكن اتخاذ هذا الخيار كان سيشكل خطأً فادحاً حتى لو لم تكن إيران اليوم تحت هجوم شديد. قبل عامين فقط، كتبنا في هذه الصفحة أن مجتبى خامنئي سيُنتخب ما لم يحدث قفزة فكرية في إيران. كان السبب الذي جعل هذا التوقع ممكناً هو ضعف احتمال انفتاح النظام الإيراني المتعثر. لكن الديناميكية الأساسية وراء خروج النتيجة نفسها في الوقت الذي تتعرض فيه إيران لتهديد الاحتلال أو التفتت لا تكمن فقط في الانسداد الذي تشهده، بل في ثقل الوصاية العسكرية وعجز نظام ولاية الفقيه عن العمل فعلياً. من ناحية أخرى، قبل 37 عاماً، تم اختيار خامنئي، الذي كان والده قد اتبع منطقاً مشابهاً، على أساس افتراض أنه سيكون شخصية غير مؤثرة، وذلك من خلال التصميم البراغماتي لرفسنجاني، وقد ظهر خامنئي اليوم كنتيجة للتوازن الذي يوفره النظام أكثر من كونه نتيجة لأسباب نابعة منه. وبالتالي، فبدلاً من أن تختار إيران مرشدها الجديد، فإن الوصاية العسكرية التي تسيطر على شبكة القوى العسكرية والاقتصادية هي التي اختارت شخصية مناسبة لها.

سيؤدي هذا التطور إلى صعوبة كسر عزلة إيران الوطنية في الفترة المقبلة. وستواجه إيران، التي لا تستطيع كسر عزلتها الوطنية، صعوبات جمة في توليد الشرعية الداخلية والقبول المجتمعي في سيناريو انتهاء الحرب. وستكون محرومة، بسبب فقدانها العديد من مواردها، من الإمكانيات التي من شأنها أن توفر بعض الراحة للجماهير العريضة، وإن كانت محدودة، ومن التدفق الاقتصادي الذي يرضي النخبة المتميزة. ليس أمام طهران الكثير من الخيارات. لن تتمكن إيران من إنهاء أزمتها ما لم تفتح الباب أمام انتخابات تنافسية، وتسمح للإيرانيين بإدارة إيران. ونظراً لأن الناس اعتادوا في الماضي على التعايش مع هذه الأزمة بطرق مختلفة، فإن فرص قمع المشاكل وإخفائها باستخدام العنف الحكومي الشديد ستتضاءل أيضاً عندما يحين الوقت. من المرجح جدًا، في فترة تكون فيها الخيارات محدودة للغاية، أن يتحول القمع إلى شكل أكثر دموية على غرار ما حدث في عهد الأسد، وهو سيناريو محتمل بقوة.

قد يكون إظهار إيران لبرغماتية دستورية، تمامًا كما حدث في مايو-يونيو 1989، هو المخرج الأكثر عقلانية بالنسبة لها. لكن لا يبدو أن هناك شخصية مثل رفسنجاني في إيران اليوم. كما أنه من غير المعروف ما إذا كان لاريجاني، الذي يدير إيران فعلياً منذ أشهر، سيظهر مثل هذا البراغماتية أم لا. إن فتح الطريق أمام انتخابات تنافسية في إيران سيعني في الواقع تخفيف الوصاية العسكرية، حتى لو لم تنته. إن ضآلة شأن الشخصية المنتخبة الجديدة، وعدم وجود احتمال لتجاوز الأزمة الداخلية الناجمة عن تحول الحركة التي أطاحت بحكم الشاه إلى نموذج حكم ملكي، فإن السبيل الوحيد لإيران سيكون فتح الباب أمام انتخابات تنافسية، وهي الخطوة التي ستساهم في التوحيد الداخلي. فبالنسبة لإيران، لم يعد لكيفية انتهاء الحرب أي معنى يذكر. فهي تواجه قوة متوحشة لا يمكنها التفاوض معها أو مواجهتها. وعلى الرغم من ”الفجوة الكبيرة في القدرات“ العسكرية والاقتصادية التي عانت منها إيران لسنوات، فقد كانت دولة تتمتع بـ”رؤية زائدة“ داخل لاهوتها السياسي وأساطيرها التاريخية. وقد دفع هذا الوضع إيران إلى مغامرات لا يمكنها تحملها أبداً.

أما الولايات المتحدة التي تواجهها اليوم، فهي تمتلك فائضاً مبالغاً فيه في القدرات ونقصاً شديداً في الرؤية. وهذا الوضع يمنع واشنطن من خوض الحرب باعتبارها امتداداً للسياسة. وعندما لا تكون الحرب أداة للسياسة، تختفي الأرضية التي تقوم عليها الأهداف السياسية والغايات الجيوسياسية. فالفجوة في الرؤية تؤدي إلى انجرار أمريكا في حروب لا تستطيع فيها تحقيق أهدافها بالرغم من الإمكانات التي يوفرها الفائض في القدرات في كل مرة. ولا يوجد سبب يجعل إيران استثناءً. لا يمكن تصور أن تعوض طهران خلال فترة الحرب الفجوة في القدرات التي لم تستطع سدها منذ بداية القرن الماضي. لكنها تستطيع ترشيد الرؤية الزائدة التي قدمتها منذ ما يقرب من نصف قرن. ناهيك عن أنه في السنوات التي أعقبت الثورة مباشرة، ولا سيما في الفترة من ولاية رفسنجاني الثانية وحتى عام 2005، بُذلت جهود مماثلة.

المخرج الوحيد لإيران: أن يحكم الإيرانيون إيران

إيران، منذ القرن الماضي، بلد يُحاول خنقه بطريقة لا مثيل لها. وعندما تخف قليلاً الأيدي التي تحاول خنق أنفاسها، فإنها تبني آلية تدخلها في حلقة مفرغة لا تستطيع فيها إدارة نفسها، وتستمر في تجربة أزماتها منذ أكثر من قرن. إن فهم إيران أصعب بكثير من الحكم عليها. فهذا البلد، الذي يدور في نفس الحلقة المفرغة منذ أكثر من قرن، لا يمكن تعريفه ببراءة الضحية وحدها ولا بمساءلة الجاني وحدها. فقد وصلت إيران إلى يومنا هذا كضحية متزامنة لعقلها الذي تحول إلى منظمة وللتدخلات الخارجية. الحرب التي تواجهها اليوم هي أشد مظاهر هذا السجن المزدوج.

لكن التاريخ يفتح لإيران باباً، كما فعل في كل مرة. لا يمر هذا الباب عبر النصر العسكري، بل عبر العقلانية الداخلية. لم يتبق أمام إيران سوى طريق واحد: أن تضع حداً نهائياً للثورتين اللتين بدأتهما في القرن الماضي وتركتهما نصف منجزتين، وأن تتخذ خطوة حاسمة نحو التطبيع الديمقراطي. السياسة التنافسية، والرقابة المدنية، والتوافق الوطني — هذه ليست مفاهيم غريبة على إيران، بل هي عتبات سعت للوصول إليها مراراً وتكراراً، لكنها كانت تُدفع إلى الوراء في كل مرة إما بسبب التدخل الخارجي أو بسبب ديناميكياتها الداخلية. وهذا ليس تعبيراً عن استسلام أو تنازل. بل على العكس تماماً، فهي الأرضية الشرعية الوحيدة لبناء إيران لمستقبلها من خلال التمسك بتراثها التاريخي.

وبصفتي شخصاً درس كانط لسنوات، فإن ما سيقوله كانط للاريجاني اليوم معروف: Sapere aude – أظهر شجاعة استخدام عقلك! وهذا ليس مسألة اتساق شخصي بالنسبة للاريجاني الذي يدير البلاد فعلياً منذ الصيف. وبصورة كانتية بالنسبة لإيران، فإن المسألة ليست انتظار ظهور الظروف المناسبة، بل فعل الصواب اليوم. لا يمكن لإيران أن تمتلك قوة دفاعية سوى الدخول في مسار التطبيع بعد تأخير دام قرنًا. وهذا يعني أن هذا هو المورد الذي تحتاجه إيران بشكل عاجل لإدارة أزمتها الحالية. قد يكون هذا المورد هو إنهاء نظام الوصاية، على الأقل على مستوى الانتخابات الحقيقية، وضمان ظهور سلطة في إيران يختارها الإيرانيون حقاً ويديرونها وتنهي أزمة الشرعية. لقد أظهر الشعب الإيراني، من خلال موقفه الجدير بالثناء الذي أبداه أثناء الحرب، الحاجة الملحة إلى الشرعية للحكومة التي تحبس أنفاسه منذ سنوات، بل وفرضها فعلياً. والآن حان دور لاريجاني لقراءة هذه الصورة!

 

Taha Özhan

طه أوزهان
يشغل أوزهان منصب مدير الأبحاث في معهد أنقرة، وعمل كأكاديمي زائر في جامعة أكسفورد خلال عامي 2019-2020. وشغل منصب كبير مستشاري رئيس الوزراء، وأصبح نائبًا في البرلمان التركي في الدورتين الخامسة والعشرين والسادسة والعشرين، ورئيسًا للجنة الشؤون الخارجية في البرلمان، بين عامي 2014 و2016. وفي الفترة بين عامي 2009 و2014، شغل منصب رئيس مركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية (سيتا)، وكان أحد مديريه المؤسسين في عام 2005. وهو حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية، وآخر كتاب أصدره يحمل عنوان "تركيا وأزمة نظام سايكس بيكو".
البريد الإلكتروني: [email protected]

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.